والراجح بحسب ما نحن بصدده من البحث عن مواطن التأسيس والتأكيد هو القول بأن الذبيح إسماعيل؛ لأنه تعالى في هذه الآيات قال عن نبيّه إبراهيم: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} إلى قوله: {كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} ، ثم قال بعد ذلك عاطفًا على البشارة الأولى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} فدلّ ذلك على أن البشارة الأولى شيء غير المبشّر به في الثانية؛ لأنه لا يجوز حمل كتاب اللَّه على أن معناه: فبشرناه بإسحاق، ثم بعد انتهاء قصة ذبحه يقول أيضًا: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ} ، فهو تكرار لا فائدة فيه ينزّه عنه كلام اللَّه، وهو واضح في أن الغلام المبشر به أوّلًا الذي فدي بالذبح العظيم، هو إسماعيل، وأن البشارة بإسحاق نصّ اللَّه عليها مستقلّة بعد ذلك.
والمقرّر في الأصول: أن النص من كتاب اللَّه وسنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، إذا احتمل التأسيس والتأكيد معًا وجب حمله على التأسيس، ولا يجوز حمله على التأكيد، إلا لدليل يجب الرجوع إليه، والله الموفق.