والجواب: أنه تعالى قال بعد قصة الذبح: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} يدلّ ذلك على أن البشارة الأولى شيء غير المبشّر به في الثانية؛ لأنه لا يجوز حمل كتاب اللَّه على أن معناه: فبشرناه بإسحاق، ثم بعد انتهاء قصة ذبحه يقول أيضًا: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا} ، فهو تكرار لا فائدة فيه ينزّه عنه كلام اللَّه.
سادسًا: استدل من قال أن الذبيح إسماعيل أن الله تعالى حكا عن إبراهيم قوله: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [1] ، ثم طلب من الله تعالى ولدًا يستأنس به فقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [2] ، وهذا السؤال إنما يحسن قبل أن يحصل له الولد؛ لأنه لو حصل له ولد واحد لما طلب الولد الواحد؛ لأن طلب الحاصل محال، وقوله: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} لا يفيد إلا طلب الولد الواحد، وكلمة (من) للتبعيض، وأقل درجات البعضية الواحد، فكأن قوله من الصالحين لا يفيد إلا طلب الولد الواحد فثبت أن هذا السؤال لا يحسن إلا عند عدم وجود كل الأولاد؛ فثبت أن هذا السؤال وقع حال طلب الولد الأول، وأجمع الناس على أن إسماعيل متقدم في الوجود على إسحق فثبت أن المطلوب بهذا الدعاء هو إسماعيل ثم إن الله تعالى ذكر قبله قصة الذبيح فوجب أن يكون الذبيح هو إسماعيل.
وعليه فمن ذهب إلى أن جملة: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} توكيدية لجملة: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ} ، كان الغلام الحليم الذي رأى إبراهيم في المنام أنه يذبحه هو إسحاق.
ومن ذهب إلى أن جملة: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} تأسيسية؛ حمل الغلام الحليم الذي أمر إبراهيم بذبحه أنه غير إسحاق؛ لأن إسحاق عُطِف عليه والعطف يقتضي التغاير، والإفادة خير من الإعادة.
(1) - الصافات: 99.
(2) - الصافات: 100.