المقصودة هنا على التي تخرج من المال، وكانت صدقة؛ لأن هذه السورة (المؤمنون) مكية، أي نزلت قبل فرض الزكاة ذات الأنصبة المحددة، ومن قال بأن الزكاة المقصودة في الآية هي زكاة النفوس والتطهر من درن الذنوب كما في قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [1] ، قال: هي بمعنى الآية قبلها فتكون جملة توكيدية بثلاث قرائن:
الأولى: أن هذه السورة مكية، بلا خلاف، والزكاة إنما فرضت بالمدينة كما هو معلوم، فدل على أن قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} نزلت قبل فرض زكاة الأموال المعروفة، فدل على أن المراد به غيرها.
الثانية: أن المعروف في زكاة الأموال: أن يعبر عن أدائها بالإيتاء كقوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [2] ، وقوله: {وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ} [3] ، ونحو ذلك، وهذه الزكاة لم يعبر عنها بالإيتاء، بل قال تعالى فيها: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} فدل على أن هذه الزكاة هي أفعال المؤمنين المفلحين، وذلك أولى بفعل الطاعات، وترك المعاصي من أداء المال.
الثالثة: أن زكاة الأموال تكون في القرآن عادة مقرونة بالصلاة، من غير فصل» [4] .
لكن اعتبار الزكاة بمعنى تزكية النفس أعم من الإعراض عن اللغو؛ لأنها تشمل عمل الصالحات، وترك المعاصي والمحرمات، فيكون من باب ذكر العام بعد الخاص، وهو يفيد التأسيس، كما أن التعاطف بين الجمل دل على التغاير في المعنى، والله أعلم.
(1) - الشمس: 9، 10.
(2) - البقرة: 43.
(3) - الأنبياء: 73.
(4) - أضواء البيان 5/ 307.