ثانيًا: أهمية التفسير البلاغي:
أهمية التفسير البلاغي كبيرة، لا تكاد تنحصر في مدخل هذا البحث، ولكني سأعرج على بعضها فيما يأتي:
1 -الوقوف على معجزة القرآن الكريم البلاغية التي تحدى بها الله تعالى العرب.
قال ابن عاشور: «فإعجاز القرآن متوجه إلى العرب إذ هو معجز لفصحائهم، وخطبائهم، وشعرائهم، مباشرة، ومعجز لعامتهم بواسطة إدراكهم أن عجز مقارعيه عن معارضته مع توفر الدواعي عليه، فهذا برهان ساطع على أنه تجاوز طاقة جميعهم، ثم هو بذلك دليل على صدق المُنَزَّلِ عليه لدى بقية البشر الذين بلغ إليهم صدى عجز العرب بلوغا لا يستطاع إنكاره لمعاصريه بتواتر الأخبار، ولمن جاء بعدهم بشواهد التأريخ، كما أنه معجزة مستمرة على تعاقب السنين؛ لأنه قد يدرك إعجازه العقلاء من غير الأمة العربية بواسطة ترجمة معانيه التشريعية، والحكمية والعلمية، والأخلاقية، وهو دليل تفصيلي لأهل تلك المعاني، وإجمالي لمن تبلغه شهادتهم بذلك» [1] .
2 -توجيه التفسير للألفاظ والجمل القرآنية بما يرفع الإشكال ويوضح المعنى.
ومثال ذلك: «لما جلس أبو عبيدة معمر بن المثنى [2] لدروس العلم في المسجد جاءه رجل يقول له: إن العرب حين تستعمل أسلوب التشبيه فإنها تشبه مجهولًا بمعلوم حتى يتضح المجهول فما بال القرآن يشبه مجهولًا بمجهول في قوله تعالى عن شجرة
(1) - التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن محمد بن عاشور التونسي 1/ 59، مؤسسة التأريخ العربي، بيروت- لبنان، ط/ الأولى 1420 هـ 2000 م.
(2) - معمر بن المثنى التيمي بالولاء، البصري، أبو عبيدة النحوي، من أئمة العلم باللغة والأدب، ولد بالبصرة سنة عشر ومائة، استقدمه هارون الرشيد إلى بغداد، وقرأ عليه أشياء من كتبه، وكان إباضيًّا، شعوبيًّا من حفاظ الحديث، توفي سنة تسع ومأتين للهجرة، انظر: العبر في خبر من غبر، أبو عبدالله محمد بن أحمد بن قايماز الذهبي 1/ 259، تحقيق: أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية - بيروت، والبلغة في تراجم أئمة النحو واللغة، محمد بن يعقوب الفيروزأبادي 1/ 76، تحقيق: محمد المصري، جمعية إحياء التراث الإسلامي- الكويت، ط/ الأولى 1407 هـ.