قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [1] .
أخذ الله الميثاق من الذين قالوا إنا نصارى , وذلك بأن يطيعوا الله ويوأدوا فرائضه ويتبعوا الرسل إذ هو مكتوب عندهم في الإنجيل , لكنهم نسوا حظا مما ذكروا به وهو الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم أي لم يعملوا بما أمروا به وجعلوا ذلك الهوى والتحريف سببا للكفر بمحمد صلى اللَّه عليه وسلم.
قال ابن عاشور: [ذكر بعد ميثاق اليهود ميثاق النصارى ... وعبر عن النصارى بـ {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} هنا ... تسجيل عليهم بأن اسم دينهم مشير إلى أصل من أصوله، وهو أن يكون أتباعه أنصارا لما يأمر به الله، {كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} [2] .ومن جملة ذلك أن ينصروا القائم بالدين بعد عيسى من أتباعه، مثل [بولس] و [بطرس] وغيرهما من دعاة الهدى وأعظم من ذلك كله أن ينصروا النبي المبشر به في التوراة والإنجيل الذي يجيء بعد عيسى قبل منتهى العالم ويخلص الناس من الضلال {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} [3] الآية. فجميع أتباع الرسل قد لزمهم ما التزمه أنبياؤهم وبخاصة النصارى، فهذا اللقب وهو النصارى، حجة عليهم قائمة بهم متلبسة بجماعتهم كلها ... وقد أخذ الله على النصارى ميثاقا على لسان المسيح - عليه السلام- وبعضه مذكور في مواضع من الأناجيل] [4] .
(1) سورة المائدة , الآية: 14.
(2) سورة الصف , الآية: 14.
(3) سورة آل عمران , الآية: 81.
(4) ابن عاشور , مرجع سابق , 6/ 145 - 147.