خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [1] , وثانيها: أنه - رحمه الله - أمضى في تأليفه ردحا [2] من الدهر قارب الأربعين عاما فأودع فيه ما فتح الله عليه من فنون شتى حتى صار هذا التفسير من أعظم التفاسير المؤلفة في القرون المتأخرة , ثالثها: أنه كان من أكبر أمنياته تفسير كتاب الله تعالى , يقول المؤلف في مقدمته: [فقد كان أكبر أمنيتي منذ أمد بعيد، تفسير الكتاب المجيد، الجامع لمصالح الدنيا والدين، وموثق شديد العرى من الحق المتين، والحاوي لكليات العلوم ومعاقد استنباطها، والآخذ قوس البلاغة من محل نياطها ; طمعا في بيان نكت من العلم وكليات من التشريع، وتفاصيل من مكارم الأخلاق، كان يلوح أنموذج من جميعها في خلال تدبره، أو مطالعة كلام مفسره، ولكني كنت على كلفي بذلك أتجهم التقحم على هذا المجال، وأحجم عن الزج بسية[3] قوسي في هذا النضال. اتقاء ما عسى أن يعرض له المرء نفسه من متاعب تنوء بالقوة، أو فلتات سهام الفهم وإن بلغ ساعد الذهن كمال الفتوة، فبقيت أسوف النفس مرة ومرة أسومها زجرا، فإن رأيت منها تصميما أحلتها على فرصة أخرى، وأنا آمل أن يمنح من التيسير ما يشجع على قصد هذا الغرض العسير].
وقال -رحمه الله- متحدثا عن القرآن الكريم ومعانيه النيرة ومقاصده العظيمة , وما أودع في تفسيره من الفنون وبخاصة فن دقائق اللغة التي لم تخص بكتاب كما للفنون الأخرى , فقال:[إن معاني القرآن ومقاصده ذات أفانين كثيرة بعيدة المدى مترامية الأطراف موزعة على آياته فالأحكام مبينة في آيات الأحكام، والآداب في آياتها، والقصص في مواقعها، وربما اشتملت الآية الواحدة على فنين من ذلك أو أكثر. وقد نحا كثير من المفسرين بعض تلك الأفنان، ولكن فنّا من فنون القرآن لا تخلو عن دقائقه ونكته آية من آيات القرآن، وهو فنّ دقائق البلاغة هو الذي لم يخصه أحد من
(1) سورة فصلت , الآية: 42.
(2) الردح: المدة الطويلة , قال الفيروزآبادي: [وأقامَ رَدَحًا من الدَّهْرِ"محركةً"أي: طَويلًا] ,القاموس المحيط , فصل الراء (المكتبة الشاملة الإلكترونية) 1/ 280.
(3) سية القوس ما عطف من الطرفين منها , قال الفيروزآبادي: [سِيَةُ القَوْسِ بالكسر مُخَفَّفَةً: ما عُطِفَ من طَرَفَيْها] القاموس المحيط , فصل الشين , (المكتبة الشاملة الإلكترونية) 1/ 1674.