فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 151

ومن معاني الشبهة -أيضا- ما يرد على القلب من الخواطر التي تحول بينه وبين معرفة الحق , وتسمى بالشبهة العقدية , وقد أحسن الإمام ابن القيم -رحمه الله- عندما تحدث عنها بقوله: [والشبهة وارد يرد على القلب يحول بينه وبين انكشاف الحق له فمتى باشر القلب حقيقة العلم لم تؤثر تلك الشبهة فيه بل يقوى علمه ويقينه بردها ومعرفة بطلانها ومتى لم يباشر حقيقة العلم بالحق قلبه قدحت فيه الشك بأول وهلة فان تداركها وإلا تتابعت على قلبه أمثالها حتى يصير شاكا مرتابا] [1] .

وهذا النوع هو عين ما وقع فيه النصارى في دينهم , حيث تواردت الشبهات على قلوبهم فلم يهتدوا إلى ردها سبيلا , حينا جهلا وحينا ركوبا لأهوائهم , فضلوا وأضلوا وانحرفوا عن دينهم انحرافا كبيرا , ولو أنهم باقون على دينهم الصحيح الذي جاءهم به عيسى - عليه السلام - لما رفضوا الإسلام ومتابعة نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم , لأن الله أخبرنا في القرآن الكريم أن عيسى قد بشر بني إسرائيل بأن الله مرسل رسولا من بعده فقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [2] , لكنهم حرفوا كثيرا مما كان في الإنجيل فطمسوا ما لم يوافق أهواءهم وأضافوا من عند أنفسهم طقوسا ومعتقدات باطلة في حق رب العالمين وفي حق عيسى -عليه السلام- فلبسوا وخلطوا على من جاء بعدهم حتى التبس عندهم الحق بالباطل , فظنوا الحق الذي هو توحيد الله بالربوبية والألوهية باطلا فرفضوه واستبعدوه , وظنوا الباطل الذي فيه نسبة الولد والزوجة لله الفرد الصمد {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} [3] , وفيه إعطاء عيسى -عليه السلام- فوق استحقاقه من حيث التأليه ونسبة الولدية حقا فقربوه وصوبوه!!!.

(1) ابن القيم , مفتاح دار السعادة , (بيروت: دار الكتب العلمية) 1/ 140.

(2) سورة الصف , الآية: 6.

(3) سورة الإسراء , الآية: 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت