ولهذا ينبغي أن يعلم طالبُ العلم أن تحصيل العلم ليس بقوة الحفظ ولا بجودة الفهم ولا بكثرة ثني الركب عند الأشياخ ولا بإدمان النظر في الكتب, ولكن تحصيل العلم بطهارة القلب وشهوده أنه عبادةٌ يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى, فإنه إذا كان كذلك فتح الله سبحانه وتعالى له أبواب الرحمات, وكما أن الناس إذا أجدبوا توسلوا إلى ربِّهم واستسقوا يلتمسون نزول الغيث عليهم لتحيى أرضهم, فكذلك لا تحيى القلوب إلا بالتوسل إلى الله سبحانه وتعالى وسؤاله ورجائه وصدق الإقبال عليه في تحصيل العلم, فإن الله سبحانه وتعالى إذا فتح لك سبب تحصيله كان هذا أعظمُ عونٍ في إدراكه, وإذا لم يُفتح لك هذا التحصيل فمهما أوتي الإنسان من حفظٍ وذكاءٍ ونباهةٍ واجتهاد فلا يحصلُ شيئا, وهذا من حفظ الله سبحانه وتعالى لدين, فإن الله عزّ وجلّ قال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر/9] , والمراد بالذكر: ما يشمل القرآن والسنة, كما ذكر أبو محمد ابن حزم وابن قاسم العاصمي؛ فمعنى الآية: أن الله تكفل بحفظ الدين كُلِّه. والله سبحانه وتعالى أغيرُ على دينه من أن يضيّعه, وكما أن صاحبُ الجوهرة لا يجعلُ جوهرة في المزبلة, فكذلك لا يجعلُ الله سبحانه وتعالى علمَ شريعته عند القلوب المُتلطخة, أما ظواهر العلوم اللسانية فقد توجد عند هؤلاء, أما حقائق العلم والإيمان والفهم والإدراك فإنها لا تكون إلا لم فتح الله سبحانه وتعالى باب الفهم له, فينبغي أن يجتهد طالبُ العلم في التماس هذا السبب الأعظم في درك العلم, وأن يتوسل إلى الله سبحانه وتعالى, وأن يصدق في رجائه والتوكل عليه, فإن المرء أوتي فحاله:
إذا لم يكن من الله عونٌ للفتى ... فأولُ ما يجني عليه اجتهاده