وكم رأينا في أيام الطلب أناسًا يشار إليهم بحفظٍ ونباهه, وأبى الله سبحانه وتعالى أن يكونوا من حراس العلم, لأن الله سبحانه وتعالى اطلع على خبيئة قلوبهم فرأى أنها قلوبًا لا تصلحُ للعلم, فصرفوا إلى غيره, إما بتجارةٍ أو لتوسعٍ لمخالطةِ الولاة أو بمحبةٍ لمتاع الدنيا من الأزواج والأولاد, فصار هذا حظهم مما أدركوه من العلم, وصرفوا عن التلذذ بحقيقة العلم, فليعقل طالبُ العلم هذا المعنى, وليقتبس من هذا السبب بأوثقه, وليكثر من تذكير نفسه به, فإنه لا يدرك العلم إلا بهذا, ولا ينفعه من العلم إلا ما كان من الله فتحا, وأما ما كان في الكتب فإنما تذكرُ مكررا ولا تؤنس لذةً, ولا يثمرُ في ذلك في قلبك خشوعا, وإنما إدمانك النظر في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وسؤالك الفتح, وتوسلك إلى الله سبحانه وتعالى في درك العلوم هذا هو الّذي يمددك بهذه الأسباب, وإذا وَثق الإنسان بغير ذلك صرف, فإذا وَثق بحفظه أو فهمه أو شيخه أو درسه أو غير ذلك فإنه يُخذل, لأنه عول على مخلوق, واستغاثة المخلوق بالمخلوق كالستغاثة الغريق بالغريق, كما قال أبو يزيد البسطامي رحمه الله.
والسبب الثاني: ترك تدبره وتفهمه من المعتقد لذلك, [1[1] ]قال سبحانه يبين أنه أنزله لنتدبر إذ قال: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ} [ص/29] .
وقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ} [النساء/82] .
(1) نبه شيخنا على أن الفاصلة بعد قوله: من المعتقد لذلك. وليس قبل قوله: لذلك. والنسخة المقروءة: من المعتقد, لذلك.