بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد
بين يدي السورة
سورةُ الأنعامِ سورةٌ مكيةٌ: نزلت على قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة، لنقض عقائد الشرك وإبطالها، وتقرير العقيدة الصحيحة وترسيخها.
وكان نزولُها في مرحلة الجهر بالدعوة التي واجهها أساطينُ الكفر وصناديدُ الضلال بالصدود والإعراض، والتكذيب والاستهزاء، والمطالبِ التي تنمُّ عن تعنُّتهم وإصرارِهم على الكفر مهما عاينوا من آيات.
نزلت هذه السورةُ جملةً واحدةً على غير المعهود في السور الطوال لتكون دفعةً واحدةً بحججها الساطعة، وبراهينها القاطعة، وآياتها المتتابعة، التي تُرْهِفُ الآذان، وتخاطب الوجدان، وتحاور العقول، وتصِل إلى القلوب.
أ - اسم السورة الكريمة
أما عن اسمها: فسميت بسورة"الأنعام": وذلك لما ورد فيها من ذكر الأنعام والشيء قد يسمى بجزئه.
فسميت هذه السورة الكريمة سورة الأنعام لورود كثيرٍ من أحكام الأنعام فيها، ولبيان السورة لجهالات المشركين فيها، كتحليلهم وتحريمهم حسب أهوائهم وتقاليدهم البالية وتقربهم بها إلى أصنامهم، فنزلت هذه السورة لتبين بطلان ما اتخذوه من أمرها دينًا، لم يأذن به الله.
قال الإمام السيوطي:"وتسمية سورة الأنعام لما ورد فيها من تفصيل أحوالها، وإن كان لفظ الأنعام ورد في غيرها، إلا أن التفصيل الوارد في قوله تعالى { ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?•? ? ? ? ?•? ? ? ? ? ? ? ? ?•? ? ? ? ? ?•? ? ? •? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?•? } :هذا التفصيلُ: لم يرد في غيرها" [1] .
ب - فضائل السورة.
-هذه السورة الكريمة من السور السبع الطوال، ومما ورد في فضائل هذه السبعِ:
1.ما رواهُ الإمام أحمد وغيره عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ (أُعْطِيتُ مَكَانَ التَّوْرَاةِ السَّبْعَ وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الزَّبُورِ الْمَئِينَ وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ الْمَثَانِيَ وَفُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ) [2] .
-فالكتب السماويةُ جميعها خرجت من مشكاةٍ واحدة ودعت إلى غاية واحدةٍ، ولقد جاء القرآن الكريم مهيمنا على ما سبقه من كتبٍ ومستوعبا لها ومصدقا بها.
2.وروى الحاكمُ وغيرُهُ عن جابرٍ - رضي الله عنه -، قال: لما نزلتْ سورةُ الأنعامِ سبَّحَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: (شيَّعَ هذه السورةَ من الملائكةِ ما سدَّ الأفقَ) [3] .
(1) - الإتقان في علوم القرآن للإمام جلال الدين السيوطي - النوع السابع عشر في معرفة أسمائه وأسماء سوره 1/ 55
(2) - مسند الإمام أحمد 4/ 107 حديث 17023، ورواه الطبراني في المعجم الكبير عنه 15/ 450 حديث 17647، ورواه الإمام البيهقي في دلائل النبوة 6/ 95 حديث 2220 وفي شعب الإيمان 2/ 465 حديث 2415، والطيالسي في مسنده 1/ 136 حديث 1012، والطحاوي في مشكل الآثار مشكل الآثار للطحاوي - 3/ 396 حديث 1180، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد عن واثلة 7/ 132 حديث 11109 وقال"رواه أحمد وفيه عمران القطان وثقه ابن حبان وغيره وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات"، وأورد الهيثمي روايةً للطبراني عن أبي أمامة - رضي الله عنه - فقال:"وعن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"أعطاني ربي السبع الطول مكان التوراة والمئين مكان الإنجيل وفضلت بالمفضل". رواه الطبراني وفيه ليث بن أبي سليم وقد ضعفه جماعة ويعتبَرُ بحديثه، وبقية رجاله رجال الصحيح". مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 7/ 329 حديث 11626 وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة حديث 1480 وقال حديث حسن.
(3) - رواه الحاكم في المستدرك 2/ 344 حديث 3226، وقال «هذا حديث صحيح على شرط مسلم» «فإن إسماعيل هذا هو السدي، ولم يخرجه البخاري» ، وقد تعقب الذهبي الحاكم بقوله:"لا والله لم يدرك جعفر السدي، وأظن هذا موضوعا".
لكنه على شرط مسلم في المعاصرة؛ فإن وفاة السدي كانت سنة 127 هـ، وولادة جعفر بن عون سنة 109 هـ؛ فاللقاء بينهما محتمل أما قول الذهبي:"أظنه موضوعا": فلا وجه له؛ لأن رجال إسناد الحديث رجال مسلم، ورواه البيهقي في شعب الإيمان 2/ 470 حديث 2431 وفيه موسى بن عبيدة ضعفه ابن حجر وضعفه الذهبيُّ، وقال السيوطي في الإتقان مُعقِّبا على الأحاديث الواردة في نزولها جملة:"فهذه شواهد يقوي بعضها بعضًا". الإتقان في علوم القرآن - النوع الثالث عشر: ما نزل مفرقا وما نزل جمعا 1/ 37