الصفحة 36 من 192

وعنه - رضي الله عنه - عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ (إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [1]

-وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِسَبْيٍ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ تَبْتَغِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - (أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ) قُلْنَا: لا وَاللَّهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - (لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا) [2]

المناسبة

بينت هذه الآيات مصير أولئك الظلمة المعاندين عند المواجهة الحاسمة حين يحشرهم الله جميعا، فيسألهم سؤال التهكم والسخرية في موقف العرض حيث لا مفرَّ من الحقيقة التي طالما أعرضوا عنها في الدنيا وكذَّبوا بها، فيُعرِبون عن أسفهم ويُبدون ندمهم وحسرتهم على ما فاتهم ويُقرُّون بضلالِهم وانحرافهم بعدما كان منهم في الدنيا من مكابرةٍ وبَطَرٍ وامتراءٍ.

فيُقرعون بهذا الاستفهام الإنكاري { ? ? ? ? } ؟ أين تلك الآلهة المزعومة؟ وهكذا تنقلهم الآياتُ إلى هذا المشهد المهيب الذي ينتظرُهم بين يدي الحقِّ فهل يتعظون؟ ويتراجعون عن إعراضهم وصدودهم، ويقبلون على الحقِّ قبل فوات الأوان؟

التفسير الإجمالي

توبيخٌ وتهكُّم!

قال تعالى {?•? ? ? ? ? ? ? }

تنتقلُ بنا هذه الآياتِ الجليلةُ إلى صورةٍ حيَّةٍ من صورِ القيامةِ ومشهدٍ من مشاهدِ الحشر، حين يُعرض أولئك المُعرِضون المتعنتونَ المكابرون على ربِّهم، ويمثلون أمام المحكمةِ الإلهيةِ العادلة، لا يتخلَّفُ منهم أحدٌ، ويسألهم ربهم سؤال تهكُّمٍ وتوبيخٍ { ? ? ? ? } ؟

براءةٌ وحسرة

-الفتنة: بمعنى الاختبار والسؤال، والفتنة أيضا بمعنى الإعجاب يقال فلان افتتن بكذا إذا أعجبه ووقع في حبه، وعلى هذا فالمعنى: ثم لم تكن نهاية حبِّهم للأصنام لما سئلوا عنها ووقفوا على عجزها إلا التبرؤ منها وإنكارها، أو المعنى ثم لم يكن جواب اختبارهم عن آلهتهم يوم القيامة إلا التبرؤ منها،"... وفي هذا توبيخ لهم كما تقول لرجل كان يدّعي مودّة آخر ثم انحرف عنه وعاداه يا فلان لم تكن مودّتك لفلان إلا أن عاديته وباينته ...". [3]

-أو ثم لم يكن جوابهم إلا الكذب على الله طمعا في النجاة بأي وسيلة [4] .

(1) - صحيح مسلم كتاب التوبة - باب في سعة رحمة اللّهِ تعالى، وأنها سبقت غضبه حديث 19 - (2752)

(2) - صحيح البخاري كتاب الأدب باب رحمة الولد وتقبيله - حديث 5653، وصحيح مسلم كتاب التوبة. باب في سعة رحمة اللّهِ تعالى، وأنها سبقت غضبه حديث 22 - (2754)

(3) - البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 4/ 165، ويراجع معالم التنزيل للبغوي 3/ 135

(4) - مدارك التنزيل للنسفي 2/ 7 ويراجع: معالم التنزيل للبغوي 3/ 135 وروح المعاني للألوسي 5/ 276

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت