الصفحة 88 من 192

تبدأ القصة الكريمة بهذا المطلع الذي يلفتُ الأنظار ويسترعِي الأسماعَ داعيا إلى معايشةِ هذه القصةِ واستنشاقِ عبقِ الماضي لتنسُّمِ عبير العِبَرِ واستحضار تلك المشاهد والصورِ والتدبر في تلك الحواراتِ والأحداثِ التي انطوت عليها القصة.

وقوله تعالى {? } أي اذكر ذلك الوقت واستحضر هذا المشهد حين قال إبراهيم - عليه السلام - لأبيه ناصحا له ومُنكرا عليه عبادة الأصنام من دون الله.

وظاهر النصِّ الكريم أن اسم أبيه (آزر) والذي نصَّت عليه السنة النبوية أن اسمه آزر، وكونه في التوراة (تارح) لا يعدُّ دليلا على ذلك فكم في التوراة من تحريف وتبديلٍ وافتراءٍ! أو ربما كان (تارح) : لقبا له.

وفي الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي فَيَقُولُ أَبُوهُ فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ ثُمَّ يُقَالُ يَا إِبْرَاهِيمُ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ". [1] "

وفي الآية الكريمة إنكارٌ وتقرير أنكر عليه ما هو عليه من اتخاذ الأصنام آلهة، وتقريرٌ لما عليه أبوه وقومه من ضلالٍ بين.

ومن الواضحِ أن إبراهيم - عليه السلام - قد بذل جهدا مضنيا في محاجَّةِ أبيه، ولقد سجَّل القرآن الكريم صورةً من صور الحوار الذي كان يدور بين إبراهيم - عليه السلام - وبين أبيه من ذلك ما جاء في سورة مريم {? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?} [مريم: 41 - 50] .

في ملكوت السموات والأرض

يقول الحق جلَّ وعلا {? ? ? ? ? ? ?} أي وكما هديناه إلى الحقِّ وبصَّرناه بطريقنا: ثبتناه على هذا الطريق وزدناه يقينا، وأطلعناه على ملكوت السموات والأرض ليتمعَّن ويتدبر ويستنبط العبرَ ويستخلص الفوائد ليزداد يقينا وإيمانا.

قال النسفي:"أي نُرِي بصيرتَهُ لطائفَ خلقِ السماواتِ والأرضِ" [2] .

وقال القاسمي:"أي نُطلعه على حقائقهما، ونبصره في دلالتهما على شئونه عز وجل، من حيث إنهما بما فيهما مملوكان له تعالى، والملكوت مصدر على زنة المبالغة كالجبروت، ومعناه الملك العظيم والسلطان القاهر، وقيل ملكوتهما عجائبهما وبدائعهما" [3] .

ويقول صاحب الظلال:"بمثل هذه الفطرة السليمة، وهذه البصيرة المفتوحة؛ وعلى هذا النحو من الخلوص للحق، ومن إنكار الباطل في قوة. . نُرِي إبراهيم حقيقة هذا الملك. . ملك السماوات والأرض. . ونطلعه على الأسرار المكنونة في صميم الكون، ونكشف له عن الآيات المبثوثة في صحائف الوجود، ونصل بين قلبه وفطرته وموحيات الإيمان ودلائل الهدى في هذا الكون العجيب" [4] .

محاورة لطيفة

(1) - رواه البخاري في صحيحه كتاب الأنبياء باب: قول الله تعالى { ? ? ?} [النساء:125] حديث 3350، وَالذِّيخ بِكَسْرِ الذَّال الْمُعْجَمَة بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ خَاء مُعْجَمَة ذَكَر الضِّبَاع، وَقِيلَ لَا يُقَال لَهُ ذِيخ إِلَّا إِذَا كَانَ كَثِير الشَّعْر. يراجع النهاية في غريب الحديث 2/ 435.

(2) - مدارك التنزيل النسفي 2/ 69

(3) - محاسن التأويل للإمام القاسمي 6/ 587

(4) - في ظلال القرآن 2/ 1139

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت