والآخر: منع الله العباد بمنع وعجز أحدثهما فيهم عن أن يأتوا بمثله 0 هذا الذي زاد في رواية الأشعري أهو شيء قرأه في كتاب للنظام أم شيء استخرجه بعقله من كلامه فهو لازم كلامه وليس بمنطوقه من أن القول بأن النظام قال بأن القرآن حجة النبوة وأن تأليفه ليس بحجة وأن العباد يقدرون على مثله يلزمه أن يكون المانع من معارضته هو المنع الإلهي؛ لأنه إذا ما كان النظم والتأليف ليس بحجة ومما يقتدر عليه، ولكنهم لم يعارضوه لا يبقى إلا أن يكون هنالك مانع قدري قهري هو الذي أعجز العباد 0
هذا العجز والمنع، هو ما عرف بالصرفة، والأشعري في روايته لم يبين لنا بم كان الصرف عند النظام، ولم؟:
أكان صرفا للهمة عن المعارضة أم كان صرفا لقدرة، وبم كان ذلك: أكان بسلب العلم بالمعارضة أم بسلب العقل؟
فهذا الصرف يحتمل أن يتمثل في أمور:
= في سلب الهمة عن المعارضة مع قدرتهم وعلمهم وكمال عقلهم
= في سلب القدرة على المعارضة مع بقاء الهمة والرغبة في المعارضة
= في سلب العلم الذي به تتحقق المعارضة
= في سلب العقل أصلا 0
كل هذا لا تكشف عنه رواية الأشعري، وهو في موقفه المناوئ للمعتزلة لا يجعل روايته في منزلة الثقة المسلمة حتى يؤيدها نص من كتاب للنظام أو نص لواحد من أصحاب النظام 0
ويأتي"عبد القاهر بن طاهر البغدادي (ت:429 هـ) فيقول في بيان فضائح النظام:"
"الفضيحة الخامسة عشرة من فضائحه قوله: إنَّ نظم القرآن، وحسن تأليف كلماته ليس بمعجزة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا دلالة على صدقه في دعواه النبوة، وإنما وجه الدلالة منه على صدقه ما فيه من الإخبار عن الغيوب، فأمّا نظم القرآن وحسن تأليف آياته، فإنّ العباد قادرون على مثله، وعلى ما هو أحسن منه في النظم والتأليف" [1]
(1) = الفرق بين الفرق للبغدادي: ص:143 - - طبعة بيروت سنة 1411