وعجيب أيضًا زعمه أن"الجاحظ"هو الذي جعل لمذهب"النظام"سيرورة وبقاء، كيف وموقف"الجاحظ"في وجهيه: الإعجاز بالنظم، وإلإعجاز بالصرفة الجاحظية يتناقض تماما مع صرفة"النظام،؟"
كيف يكون النقيضُ المقوّضُ المُبِيرُ مُمَكِّنًا لما يناقضه ويقوضه ويبيره؟! عجيبة خطابية 0
ثُمَّ يقول الشيخ"الخطيب":"وأمر آخر، وهو أنّ"الجاحظ"إنما قال بالصرفة بعد أن أعياه الوقوع على الضوابط الدقيقة التي يضبط بها وجه إلإعجاز .. فذلك أمر إن أعجز"الجاحظ"فقد أعجز الإنس والجنّ جميعا، فلو أنَّ سرّ الإعجاز قد انكشف - وهيهات - لعرفه الناس، ومن ثمَّ لم يعُدْ بعيدًا عن متناول أيديهم .. وكان في مستطاعهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن "
ونقول: لا تعجب إذا عجز"الجاحظ"عن الكشف عن هذا السر المضمر أو هذا الروح الساري في القرآن فلم يعرف وجه الإعجاز فيه! فألجاه هذا العجز إلى القول بالصرفة .. ! فالجاحظ أستاذ الأساتيذ في نقد الكلام، فلا عجب أن عرف قدر القرآن، ولزم حده معه" [1] "
بعض كلامه هنا فيه نظر لا يخفى: جعله الباعث للجاحظ على القول بالصرفة عجزه عن الوقوع على الضوابط الدقيقة التي يضبط بها وجه الإعجاز ... قول جدُّ عجيب!!
لو كان هذا صحيحا لكان باعثا كل العلماء الناظرين في إعجاز القرآن الكريم على أن يقولوا بالصرفة وحينئذٍ يكون القول بالصرفة هو المذهب المجمع عليه؛ لأنه المذهب المدفوع إليه العلماء أجمعون، ذلك أنهم يشاركون"الجاحظ"في حاله وهو"العجز عن الوقوع على الضوابط الدقيقة التي يضبط بها وجه الإعجاز، والشيخ"الخطيب"يقرر أن هذا إن أعجز"الجاحظ" فقد أعجز الجن والإنس، فما بال"الجاحظ"يدفع بهذا إلى القول بالصرفة، ولا يدفع جلّ علماء البيان القرآني إلى القول بها فضلا عن الجن والإنس؟!!"
(1) = إعجاز القرآن لعبد الكريم الخطيب:177 - 178