ولما جاء لبيان قول"الجاحظ"بالصرفة وهو من القائلين بالإعجاز البياني نَبَّه الشيخ"الخطيب"إلى السياق الذي جاءت فيه مقالة"الجاحظ"بالصرفة على نحو ما أشرت إليه في موطنه من قبل، ويزيد"الخطيب"فيبيّن أن"الجاحظ"هنا لا يقول بالصرفة على إطلاقها، ولكنها صرفة عن أمر هو معجز في ذاته .. فالقرآن في رأي"الجاحظ"معجز في ذاته، ولكن الصرفة حمته من أنْ يتكلف للمعارضة بعض المتكلفين، فيشوش على القرآن، وذلك من شأنه أن يوقع في نفوس الأغرار والجهلة اضطرابًا ..""
ما قاله الشيخ"الخطيب"هنا فهم صحيح للصرفة عند الجاحظ: وفقه لجوهرها ومناطها وغايتها، ولو أنه اقتصر على هذا في كل موطن تكلم فيه على الصرفة عند"الجاحظ"لكان حميدًا
المهم أنه يعلق على هذا الموقف من"الجاحظ"بقوله:" ولا شكّ أنّ هذه من إحدى مغالطات"الجاحظ"وخلابته، بما أوتي من قوة الحجة وسلطان البيان"
ولو أراد"الجاحظ"أن ينقض هذا الرأي الذي أقامه على القول بالصرفة لنقضه بغمزة من قلمه دون أن يكد ذهنه، أو يطلق العِنانَ لقلمه" [1] "
لا أحسب أنَّ"الجاحظ"القائل بالإعجاز البياني للقرآن الكريم بحاجة إلى أن يغالط بهذا القول في الصرفة، ومذهبه في إٌعجاز البلاغي قدير على أن يؤتيه ما يصبو إليه من غلبة وفَوْقٍ، لابد أن يكون من أمرٌ جليلٌ يرمي إليه"الجاحظ"من وراء ذهابه إلى القول بهذه الصرفة التي أبان عن جوهرها ومناطها وغايتها
وقد أشرت إلى شيءٍ من هذا من قبل حين ألمحت إلى علاقة مذهبه بقول الله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وأن في هذا المذهب نظر إلى إبلاغ الله تعالى في تقديس القرآن وحفظه من مجرد الشغب عليه 0
ويذهب"نعيم الحمصي"إلى استبعاد أن يكون"الجاحظ"قد قال بالإعجاز البلاغي، والإعجاز بالصرفة معا , يقول:
(1) = السابق:368 - 369