الصفحة 44 من 111

عجز قديم مغروز في أنفس الخلائق عند الفطرة الأولى،لأنهم سُلِبُوا القدرة سلبًا جازمًا عن أفعالٍ قد استأثر اللهُ بها وحدَه - سبحانه - دون خلائقِه جميعا، فتأتى آيات الأنبياء جميعا من هذا الباب، فتتلقاها الخلائقُ بالتسليمِ والعجزِ

هذا هو"العجز الأول"ثُمّ"عجزٌ"أحدثه الله إحداثًا عند تنزيل آية نبينا - صلى الله عليه وسلم- وهي القرآن، وهو"عجز"مستحدث فجأة في أنفس الخلائق، وهو عجزٌ لا يسلبها القدرة على نظم الكلام،وتأليفه بتة، فذلك إلحاقٌ لها بالبهائم والعجماوات، بل هو عجز يسلبها القدرة على نظم الكلام وتأليفه في حالة واحدة ليس غير،هي الحالة التى تريغ فيها الخلائق، أو تسوّل لها أنفسها معارضة القرآن بنظم وتأليفٍ يشابهه أو يدانيه، فعندئذٍ يقطعها"العجز"قطعًا مبينًا على إتيان ما أراغته من الإتيان بمثل هذا القرآن، ثُمّ هي بعد ذلك مطلقة قدرتها إطلاقًا على ما شاءت من نظم الكلام وتأليفه، بلا حرج عليها في ذلك!

وهذا هو"العجز الثاني"

على هذا الوجه زال الإشكال فيما توهم"أبو إسحق النظام"، و"أبو عثمان الجاحظ"، وسلِم لهما الشرط الذي وضعاه وهو:"مدار الآية على عجز الخليقة"وقد استحدثا لهذا"العجز"اسما هو"الصرفة"" [1] "

"هذا العبث الفاضح خليق أن يكون سجية من سجايا ذكاء"أبي إسحق"وحده ... لأنه مطبوع خلقة ووراثة على مثل هذه الحيل العابثة .... ولكن الأعجوبة ... هو أن يكون"أبو عثمان الجاحظ"ممن تُقنِعُه هذه الأغلوطة ... وأن يكون"أبو عثمان"ممن يدافع عنها ويعتقدها لنفسه مذهبًا ولكنك سترى أنّ"أبا عثمان"لن يصبر طويلا على هذا الخضوع لحيل صاحبه وخليله ..." [2]

(1) = السابق ص:62 - 63

(2) = السابق:ص 64 - 65

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت