فلما جهر"النظام"بأن القرآن حجة، وأن تأليفه ليس بحجة"فزع"أبو عثمان"... وعلم ... أن الاقتصار على تفسير"العجز"بهذه"الصرفة"وحدها مفضً إلى مثل هذا الهوس .... فإن يكن خليله"أبو إسحق"قد اختلبه اختلابًا حتى سلّم عقله بالصرفة، فإنَّ تذوقه [أي الجاحظ] للبيان وبراعته هو في البيان وبشاشة قلبه للبيان قطعت ما بينه وبين خليله"أبي إسحق"، فتجرد لتأليف كتابه"الاحتجاج لنظم القرآن وسلامته من الزيادة والنقصان" [1] "
فقرر فيه أنّ القرآن الكريم معجزٌ بنظمه، ونقض مقالة"النظام":"تأليفه ليس بحجة"فكان هذا منه دالا على أنه قد رمى بعقل خليله"النظام"تحت قدميه ولكن الأعجوبة أنّ هذا الظاهر الذي لاشك في تبلجه ووضوحه لم يكن إلا تناقضًا فاضحا في مذهب"أبي عثمان"فإنا نراه لم يزل مصرًا على اعتقاد"الصرفة"وعلى التبجح بها إلى أنْ الّفَ أواخر كتبه، ككتاب"الحيوان" [2]
"ومعنى هذا أنّ مع القرآن العظيم"عجزين":"
عجزٌ مرده إلى الصرفة، وعجز مردّه إلى نظم القرآن وتأليفه، والذي لاشك فيه أن أحدهما كاف من صاحبه .... أما الجمع بين"العجزين"فليس يجتمع في عقل أحد يعقل، فأحدهما يلغي الآخر ومع ذلك فأنا أظنّ أنّ"أبا عثمان"كان يعانى المشقة من هذا التناقض ... ودليل ذلك أنى رايته في كتاب"الحيوان"وهو من آخر كتبه ذكر مسألة هدهد"سليمان"وآيات أخرى مما جاء في كتاب الله سبحانه، وأدار أمر تفسيرها على"الصرفة"بأسلوب جديد واستغرق ذلك أوراقا كثيرة .. فلما بلغ أواخر تفسيره قال هذه الكلمة الصريحة الدلالة [3] :
"وفي كتابنا الذي يدلُّ على أنَّّه صدقٌ نظمُه البديعُ الذي لا يقدر على مثله العباد، مع ما سوى ذلك من الدلائل التي جاء بها من جاء به"
(1) = السابق: ص:64 - 67
(2) = السابق:ص 69
(3) = الحيوان للجاحظ (م 0 س) -ج 4 ص 90