الصفحة 54 من 111

فالقرآن الكريم قد قعد الخلق عن معارضته بخروجه عن العادة شأن كلّ معجزة، فالمُقعِدُ للخلق إنما هو خروج نظمه عن العادة، وفي البيان بقوله (قعد الخلق فيه عن المعارضة) كشف لمعنى صرف الهمم، وفي بيانه أن السور القصار كالطوال غير ممكن نظمها للناس تقرير أيضًا لمعنى الإقعاد بعلو النظم 0

ويزيدك بيانا لهذا أن"الرمانيَّ"في (باب التصريف) وهو يبيّنُ"تصريف المعنى في الدّلالات المختلفة"كما في القصص القرآنيّ يذكر وجهًا من حكمة هذا التصريف قائلا:

"منها التصرف في البلاغة من غير نقصان عن أعلى مرتبة، ومنها تمكين العبرة والموعظة، ومنها حل الشبهة في المعجزة" [1]

قوله:"حلَّ الشبهة في المعجزة"فسّره شارح"النكت"بأنّ"تكرير المعنى الواحد بعبارات مختلفة، كلّ واحدة منها معجزة على حدة يدلّ على أنّ العبارةَ الأُولَى لم تكنْ معجزةً من قِبَلِ أنّها تستحيلُ في العقولِ الإتيان بمثلِها، وإنّما أعجزت المخلوقين لخروجها عن حدِّ ما يقدرون عليه" [2]

كلُّ هذا يقوي الأخذ بالاحتمال الأول في تفسير"صرف الهمم عن المعارضة"وحينئذٍ لن تجد هذا الوجه (الصرفة) على هذا التفسير متناقضًا مع القول بالإعجاز النظمى بل هو لازم من لوازمه 0

وعلى هذا تكون الوجوه السبعة التى ذكرها"الرُّمَّانِيُّ"في مفتتح الرسالة غير وجهين عند التحقيق:

الأول: الأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة. والآخر: البلاغة

أما الصرفة فعلى هذا التفسير هي لازم من لوازم البلاغة وليست شيئا غيرها، وكذلك"نقض العادة وقياسه بكل معجزة هما مما يتعلق بالبلاغة كما بينت،أما ترك المعارضة والتحدي للكافة فليسا من وجوه الإعجاز، وذكر"الرُّمَّانى"لهما ليس دقيقًا بل هما من أدلة وقوع الإعجاز وبرهانه وحجته 0"

(1) = السابق: 101 - 102

(2) = شرح رسالة الرماني في إعجاز القرآن لمؤلف مجهول: ص:123 (م 0 س)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت