فإن صح أنَّ هذا منطوق"المرتضى"ففيه دلالة على أنَّ"المرتضى"يذهب إلى أنّ الصرف عن المعارضة لم يكن بسلب الهمم بل كان بسلب العلوم التي يحتاج إليها في المعارضة،وهذا يلزمه أنَّ همتهم في المعارضة قائمة، وأنهم من قبل السلب كانوا قادرين على مثل نظم القرآن الكريم، فنظمه ليس بخارق للعادة، وأنهم حين راموا المعارضة وجدوا علومهم التي بها تتحقق المعارضة قد سلبت منهم، وكأنّ القول بأنَّ الصرفة كانت بسلب العلوم كان قولا قائمًا في عصر"المرتضى"لأنا نجد"القاضي عبد الجبار" (ت:415) وقد كان شيخا للمرتضى في الاعتزال يعرضُ بالنقد لهذا القول دون أن يصرح بقائله، فنراه يرد على ذلك بقوله:
"امتنع ذلك عليهم بأن أعدمهم الله تعالى العلوم التي معها يمكن الكلام الفصيح، فصار ذلك ممتنعا عليهم لفقد العلم "فينقده قائلا:"لست تخلو فيما ادعيت من وجهين:"
إمّا أن تقول قد كان ذلك القدر من العلم حاصلا من قبل معتادًا، فمنعوا منه عند ظهور القرآن، أو تقول إن المنع من ذلك مستمر غير متجدد، وأنهم لم يختصوا، ولا من تقدمهم بهذا القدر من العلم" [1] "
ويدفع الأول بأنّه يلزمه أنّ قدر فصاحة القرآن الكريم لا يعدو ما جرت به العادة، وقد منعوا من المعتاد، فالمعجز ليس القرآن، وإنما ما حدث فيهم من المنع، فالتحدي بالمنع لا القرآن الكريم، وليس كذلك،ولو كانت الآية هي المنع من المعتاد، فلا حاجة لنزول القرآن الكريم، فيكفي المنع من أمر معتاد مثل تحريك اليد أو العين 0
ويدفع الآخر بأنّ فيه إلزامًا بأنَّ المزية في القرآن الكريم لم تكن في شيءٍ قبله، فهي مما لم تجر به العادة، فهي خارقة للعادة، والمنع من مثلها قائم في جنس البشر من حيثُ هم، فليست من فعلِهم 0
(1) - المغني لعبد الجبار:ج 16 ص 218