فانظر قوله:"ولكن الله تعالى "فإنه دالٌ على أنّ العرب كانوا على اقتدار عظيم على أسرار البلاغة وأنهم كانوا أهلا لأن يتحدوا بالقرآن الكريم، فأعجزهم، وهو لن يعجزهم إلا بما هم فيه فرسان الحلبة، فأعجزهم إذن ببلاغته
تأمل قوله:"ولهذا كان القرآن ..."وانظر مرجع اسم الإشارة 0 ولهذا) وانظر قوله:"لأنَّه أعجز قومًا ..."علام تدل هذه"اللام"في قوله"لأنه".
منطوق عبارته دالٌ على أنّه ذاهبٌ إلى أنّ بلاغة القرآن الكريم فوق منزلة بلاغة العرب الذين هم فرسان حلبة البيان،وأنّ هذه البلاغة أعجزتهم، فكان القرآن الكريم علما على النبوة، ولولا أنّ مجال المعاجزة هو البلاغة، فجعلت سمة ما جعل علما على النبوة، لكان اختيار العرب للمعاجزة لا مقتضَى له 0
والآخر من الوجهين لا يظن أن المرتضَى يرضَى به، فلن تجد عاقلا يزعم أن العرب ما اختصوا بهذا القدر من العلم بأسرار البلاغة، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قد اختص بهذا؛ لأنه يؤدي إلى أنّ النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قادر على أن يأتي بمثل القرآن الكريم بما معه من العلم بأسرار البلاغة، وهذا يكذبه ويفضحه ما جاءت به الآيات من سورة"يونس"الآنف ذكرها
وإذا ما كان"المرتضى"فيما ينسب إليه أنه ذاهب إلى أن الصرفة بسلب العلوم فإنّا لا نقف على ما يريد بتلك العلوم، ولهذا يتساءلُ شيخنا"أبو موسى"قائلا:"ولا ندري المراد بهذه العلوم التى يحتاج إليها في بناء الكلام الفصيح؟ وهل كانت للعرب علوم تعينهم على بلاغة الكلام؟ أم أنّه لم يكن لديهم إلا سلائقهم أنفسهم وصحة طباعهم تمدهم بما يشاءون من البيان ما داموا قد صرفوا همهم نحو الغايات" [1]
(1) - الأعجاز البلاغي لشيخنا: 371 (م. س)