وهذا دالٌ عنده على أنّ من يقول بعلو تأليف القرآن وبلاغته على بلاغة العرب إنما هو مجرد من أدنى المعرفة بالأدب ونقده , وهذه دعوى عريضة ليست بالمردودة فحسب بل هي المنقوضة بشاهد الحال والواقع الذي لايكاذب، وأقرب شيءٍ إليه حال شيخه"أبي العلاء المعري"وهو من هو عنده، وقد جلس بين يديه يتلقى عنه العلم، فشيخعه يقول في"رسالة الغفران"رادًا على الزنديق"ابن الراوندي" (ت:245) :"وأجمع ملحد ومهتدٍ وناكب عن المحجة ومقتد أنّ هذا الكتاب الذي جاء به محمد صلى اله عليه وسلم كتاب بهر بالإعجاز ولقي عدوه بالإرجاز ما حذي على مثال ولا أشبه غريب الأمثال ما هو من القصيد الموزون ولا الرجز من سهل وحزون ولا شاكل خطابة العرب ولا سجع الكهنة دوي الأدب، وجاء كالشمس اللائحة نورًا للمسرة والبائحة ... وأنّ الآية منه أو بعض الآية لتعترض في أفصح كلم يقدر عليه المخلوقون، فتكون فيه كالشهاب المتلألئ في جنح غسق ...." [1]
أيبقى متوقف في أنّ"أبالعلاء"شيخ"ابن سنان"جاهر بقولٍ قاهرٍ قالطعٍ إنَّه المؤمن بإعجاز بلاغة القرآن الكريم؟
وهل أبو العلاء وهو شيخ"ابن سنان"أدنى معرفة بالتأليف المختار عند تلميذه"ابن سنان"،ولايعرف من نقد الكلام طرفا؟
وكيف يطوي"ابن سنان"أعلام العلماء في أربعة قرون مضت لقوا ربهم على أنّ بلاغة القرآن الكريم وتأليفه هو وجه إعجازه الأعظم؟ أكلّ أولئك ليس لهم من الأدب ونقده أدنى نصيب، فلم يبق إلا"ابن سنان"وإمامه"النظام"وشيعته هم فرسان نقد الأدب؟!!
ويقرر"ابن سنان"أنّ العودة إلى التحقيق تنتهي به إلى أن"وجه إعجاز القرآن صرف العرب عن معارضته بأن سلبوا العلوم التي بها كانوا يتمكنون من المعارضة وقت مرامهم ذلك" [2]
(1) - رسالة الغفران لأبي العلاء المعري ص 472 - 473 - ـك بنت الشاطئ - دار المعارف بمصر
(2) - سر الفصاحة ص:89 (م. س)