والنظر هنا في مناقدة القائلين بالإعجاز البلاغي للقرآن الكريم مقالة القائلين بالصرفة لنرى الأطوار التى مرت بها تلك المناقدة وما أضافه كل عالم من أولئك إلى مقالة سابقيه تأسيسا وتأكيدًا، فإن شأن كثير من أهل العلم السير على منهاج التأكيد والتأسيس على اختلاف أقدارهم في الأمرين معا، ومن كان منهم عاريا عن التأسيس ولو في التفصيل والتبيين فليس أهلا لأن يكون من زمرتهم إنما المرء بما يضيفه إلى سابقيه وليس بما يحويه من مقالات سابقيه 0
أعرض لمقالة ثلاثة كان لهم نقض بالغ مذهب أهل الصرفة، وهي مقالة أبي سليمان الخطابي، وأبي بكر الباقلاني، وعبد القاهر الجرجاني، فإن فيما جاء عنهم كفاء وغناء عن مقالة سواهم في هذا 0 0
موقف"الخطابيّ"من القول بالصرفة:
يعد الخطابي: أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي (319:388) عصريَّ"الرّمّانِيّ"وإن لم يثبت عندنا التقاؤه به، وهما مختلفان في أمور منها أن"الرُّمّانيّ"معتزلى متكلم معنى بالنحو والمنطق بينا"الخطابي"سنى محدث، وأول من شرح صحيح البخاري، وهو نافر نفورًا عظيما من علم الكلام وأهله، وقدألف فيه رسالته:"الغُنية عن الكلام وأهله"وكان يشبه في عصره بـ"أبي عبيد: القاسم بن سلام"علما وأدبا وزهدًا وورعا وتدريسًا وتأليفا [1]
استفتح رسالته في بيان إعجاز القرآن ببيان وجوه الإعجاز عند بعض أهل العلم، فعرض لمقالة الإعجاز بالصرفة قائلا:
"وذهب قوم إلى أنّ العلة في إعجاز الصرفة أي صرف الهمم عن المعارضة، وإن كانت مقدورًا عليها غير معجوز عنها، إلا أن العائق من حيثُ كان أمرًا خارجًا عن مجاري العادات صار كسائر المعجزات" [2]
(1) - يتيمة الدهر:4/ 334 - للثعالبي, والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي:6/ 397،ومعجم الأدباء: ليقاوت 10/ 268، وتذكرة الحفاظ للذهبي:3/ 1019، وطبقات الشافعية للسبكي:3/ 282
(2) - بيان إعجاز القرآن ص: 22 (م. س)