فهرس الكتاب
يهتم عامة الناس بضبط أحداثها ودقة تفاصيلها، فما الشأن برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله إلى قوم عرفوا بقوة الحافظة وسعة الذاكرة ودقة الملاحظة، فإن هذه الأخبار والوقائع التي ذكرنها منها ما هو في القرآن ومنها ما هو متواتر يعلمه العامة والخاصة؛ والمتواتر هو ما نقله العدد الكثير من الناس الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب، وهو ما تناقلته الأمة المسلمة جيلًا بعد جيل وخلفًا عن سلف من أخبار معجزات النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، وليس لأحد أن يشكك في شهادة هؤلاء الأخيار الأفاضل، أو يزعم أن هؤلاء الأفاضل إنما شهدوا لنبيهم فشهادتهم غير مقبولة، فإن هذا الزعم من شأنه أن يلغى جميع معجزات الأنبياء وجميع ما ورد عن أخبار السابقين لأنه يمكننا أن نقول أن ما ورد عن عيسي عليه السلام أو ورد عن موسي عليه السلام إنما ذكره أصحابهما والمقربون منهما، وكذلك الشأن مع بقية أخبار الأمم السابقة والمعاصرة.
ولا يزال الناس على مر العصور يعتمدون على بعضهم البعض في نقل الأخبار والأحداث ولم يقل أحد بإلغاء هذه الأخبار لأنها تعتمد على نقل أناس قد يخطئون أو يوهمون، غير أننا نقول أنه مع ذلك فإن الإسلام تميز بمنهج في نقل الأخبار ونقد الروايات فاق كل المناهج المعروفة وفاق كل النظريات المعرفية.
الوجه الثاني: منهج نقل الروايات ونقدها لدى المسلمين:
تميز المسلمون بمنهج في نقل الروايات والآثار ونقدها لا يوجد عند غيرها من الأمم، حيث يعتمد هذا المنهج على الإسناد، والمقصود بالإسناد هو تلقي الخبر من راو ينقله عمن فوقه وهكذا حتى نصل إلى أول الإسناد، وقد وضع علماء المسلمين شروطًا صارمة للقبول بصحة الخبر اعتمادًا على الإسناد، يقول الإمام عبد الله بن المبارك: (الإسناد عندي من الدين، ولولا الإسناد لقال مَنْ شاء ما شاء ولكن إذا قيل له: من حدثك؟ بَقِيَ) [1] ، ويقول الحافظ أبا حاتم الرازي كان في مجلس فقال: (لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أمناء يحفظون آثار نبيهم وأنساب سلفهم إلا في هذه الأمة، فقال له رجل: يا أبا حاتم، ربما رووا حديثا لا أصل له ولا يصح، فقال أبو حاتم: علماؤهم يعرفون الصحيح والسقيم فروايتهم ذلك-أي الحديث الواهي - للمعرفة، ليتبين لمن بعدهم أنهم ميزوا الآثار وحفظوها) [2] .
ومن الشروط التي وضعها العلماء للقبول بخبر ما أن يكون الراوي عدل ضبط، أي عدل فلا يكذب ولا يأتي بما يقدح في دينه وشهادته، وضبطه فلا يكون سيئ الحفظ أو كثير الخطأ، وأن يكون الراوي قد سمع هذا الخبر من شيخه الذي ينقل عنه الخبر فلا يكون بينهم انقطاع، وبهذه الشروط تميزت الأمة المسلمة بمنهج نقدي تاريخي لا يوجد مثيله لدى الأمم الأخرى لا في الماضي ولا في الحاضر يقول ابن حزم في الفِصَل في الملل والنحل: (نقل الثقة عن الثقة حتى يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم مع الاتصال، ويخبر كل واحد منهم باسم الذي أخبره ونسبه، وكلهم معروف الحال والعين والعدالة والزمان والمكان خص الله به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها، وأبقاه عندهم غَضَّا جديدا على
(1) 1 - رواه مسلم في مقدمة صحيحه (1/ 87) .
(2) 2 - المواهب اللدنية للزرقاني (5/ 454) والأجوبة الفاضلة لعبد الحي اللكنوي ص 24