فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 166

قديم الدهور، يدخل في طلبه إلى الآفاق البعيدة مَنْ لا يُحصِي عددَهم إلا خالقُهم، ويواظب على تقييده من كان الناقل قريبا منه.

قد تولى الله حفظه عليهم والحمد لله رب العالمين فلا تفوتهم زلة في كلمة فما فوقها في شئ من النقل إن وقعت لأحدهم ولا يمكن فاسقا أن يقحم كلمة موضوعة ولله تعالى الشكر، وأما مع الإرسال والإعضال - سقط في السند - فيوجد في كثير من اليهود ولكنهم لا يَقْرُبُون فيه من موسى عليه الصلاة والسلام قُربَنَا من محمد صلى الله عليه وسلم، بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرا في أزيد من ألف وخمسمائة عام، وإنما يبلغون بالنقل إلى شمعون ونحوه، وأما النصارى فلبس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق وحده فقط، على أن مخرجه من كذاب قد صح كذبه، وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنصارى، وأما أقوال الصحابة والتابعين رضي الله عنهم فلا يمكن اليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبي أصلا ولا إلى تابع له، ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولس) [1] .

ولقد مارس المسلمون المنهج النقدي ذاته في نقد الروايات التاريخية والتأكد من صحتها، ومن رجع إلى كتب العلماء الأعلام في ذلك لوجد الأدلة متضافرة على ذلك، فمن قرأ"طبقات ابن سعد"أو"البداية والنهاية"لاستطاع أن يخرج بمنهج نقدي متكامل للروايات التاريخية، أما صحيح البخاري الذي أكثرنا النقول عنه في رسالتنا تلك، فهو في القمة بين كتب المسلمين بل هو أعظم وأصح كتب المسلمين بعد القرآن الكريم يقول العلامة مصطفى صبري: (الطريقة المتبعة في الإسلام لتوثيق الأحاديث النبوية أفضل طريق وأعلاها لا تدانيها في دقتها وسموها أي طريقة علمية غريبة اتبعت في توثيق الروايات، ففي صحيح البخاري مثلا ألفان وستمائة واثنان من الأحاديث المسندة سوى المكررة انتقاها البخاري من مائة ألف حديث صحيح يحفظها وفيه قريب من ألفي راو اختارهم من نيف وثلاثين ألفا من الرواة الثقات الذين يعرفهم وكتاب البخاري البالغ أربع مجلدات كبيرة يبقى بعد حذف أسانيده على حجم مجلد واحد متوسط الحجم فهل سمعتم وسمعت الدنيا أن كتاب تاريخ في هذا الحجم يروى مافية سماعا من ألفي رجل ثقة يعرفهم المؤلف وغيره من أهل العلم بأسمائهم وأوصافهم على أن تكون كل جملة معينة من الكتاب مؤلفة من سطر أو أكثر أو أقل تقريبا سمعها فلان وهو من فلان إلى أن تصل - الإسناد والسماع - بالنبي صلى الله عليه وسلم فيقام لكل سطر من سطور الكتاب تقريبا شهود من الرواة يتحملون مسؤولية روايته) [2] .

الوجه الثالث: أن هذه المعجزات والوقائع التي ذكرنا بعضها وقعت بمحضر من الخلق الكثير كتكثير الطعام يوم الخندق فإنه كان أهل الخندق رجالهم ونساؤهم ألوفا وكذلك نبع الماء من بين أصابعه وفيضان البئر بالماء يوم الحديبية وكانوا يومئذ ألفا وخمسمائة وكلهم صالحون من أهل الجنة لا يعرف فيهم من تعمد كذبة واحدة على النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك تكثير الماء والطعام في غزوة خيبر كانوا ألفا وخمسمائة وفي تبوك كانوا ألوفا مؤلفة وكان بعض من حضر هذه المشاهد نقل هذه الآيات قدام آخرين ممن حضرها وينقلها لأقوام فيذهب أولئك فيخبرون بها

(1) - الفصل في الملل والنحل. ابن حزم الأندلسي (2/ 81 - 82)

(2) - موقف العقل والعلم والعالم من رب العلمين وعباده. مصطفى صبري. (4/ 87)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت