أخيك إلا خيرًا وأنت تجد لها في الخير محملًا [1] .
وإذًا فليست مهمتك تلمس المقصد السيئ في تصرف أخيك، وإنما مهمتك البحث عن أي محمل من الخير يصلح حمل تصرف أخيك عليه.
لكن للأسف تجد بعضنا يجتهد في استجماع ما يثبت ظنونه ولا ينظر إلى ما ينفيها وهذا سبب كثير من البلاء وزوال الأخوة بيننا، ولو استحضر كل منا حسن نية أخيه في كذا وطيب مقصده في كذا وتأول له واجتهد في نفي الظنون السيئة عن خاطره لدامت الأخوة والمحبة وازدادت.
قال ابن المبارك: المؤمن يطلبُ المعاذير، والمنافق يطلب الزلات.
فلا شك أن الابتعاد عن سوء الظن بأهل الخير والتغافل عن دواعيه شيمة أهل الإيمان والدين.
واعلم أن سوء الظن يدعو إلى التجسس المنهي عنه [2] ، ويدعو إلى الوقوع في قالة السوء في أخيك، وما أبعده عن المودة والإخاء من إذا غضب غضبة من أخيه أو رأى منه أمرًا محتملًا لوجوه كثيرة ظن به السوء أو قال فيه السوء.
وإنما الخلُّ الودود والصديق الصدوق من يحفظ قلبه عن ظن السوء بك، ويحفظ لسانه عن قول السوء فيك وإن أغضبته يومًا أو فترت عن مراعاته في بعض الأوقات.
قال جعفر بن محمد لابنه: يا بني من غضب من إخوانك ثلاث مرات فلم يقل فيك
(1) رواه أبو حاتم بن حبان في روضة العقلاء ص89، 90 بسنده عن سعيد بن المسيب قال: وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثمانية عشرة كلمة كلها حكم: ... ثم ذكرها منها.
(2) وكأنه لذلك قال - صلى الله عليه وسلم - ـ في الحديث السابق ـ بعد أن حذر من الظن بقوله: (( إياكم والظن ... ) )، قال: (( ولا تجسسوا لوا تحسسوا ) ).