فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 173

وهنا أيضًا لفتتان جديرتان بالتأمل: الأولى: أن راوي الحادثة ليس الناصح بل المنصوح الذي تأثر بالنصيحة، وهذا من سلامة القلب وإيثار الحق، والثانية: رقة الإمام أحمد ولطفه في توجيه النصيحة حيث ذهب إلى الرجل بالليل وقال له: (شغلت قلبي) ، هكذا بهذه الشفقة، ولم يقل له: (أسأت إلى الناس) ...

واعلم أن عدم الاكتراث بمشاكل الصاحب وظروفه وحاجته يشعره بالغربة وأن إخوانه يعيشون في عالمهم وهو في عالم آخر لا يشعر به أحد، ولا بما يعانيه، وإنه ليزداد ألمًا إذا رأى أن إخوانه أدركوا ظروفه ومع ذلك تجاهلوها ولم يجدهم إلى جانبه، ومن ثم تفتر مشاعر الحب تجاههم ...

وقد يظهر له أنهم أصيبوا بالأنانية أو البلادة وأصبحوا لا يهمهم إلا أمر أنفسهم ... وربما ضخَّم من تقصيرهم مع كونهم في الحقيقة ليسوا بذلك السوء، ولكن غفلتهم تفتح بابًا بل أبوابًا للشيطان ليفسد ما بين الأحبة من علاقة.

وقد توجد صور من نوعية أخرى لعدم الاكتراث بظروف أخيك وذلك مثل أن تتجاهل برنامجه وطريقة ترتيبه وحفظه لوقته وتقسيمه لأعماله وأوقات راحته فتفسد عليه ذلك، أو تفترض أنه لا برنامج له لمجرد أنك كذلك، أو تتصور أنه ليس عنده مشاغل ومتطلبات فتفرض عليه أوضاعًا تربكه وتتسبب في تراكم حاجاته وأعماله ومشاكله حتى يضيق بك ذرعًا وتصبح غصة في برنامجه حتى يندم على معرفتك وتولي محبتك من قلبه.

وأيًا كانت صور عدم الاكتراث بظروف أخيك، فينبغي الحذر منها. وأن تكون عونًا لأخيك حسبما يقتضيه الحال سواء بقولك له: ها أنا ذا، أو بغيابك عنه وتركه فيما هو فيه إعانة له على إنجاز ما هو بصدده. لكن مع الحذر من المبالغة في ذلك، فبعض ذوي الحياء يتحرجون جدًا من طرق أبواب بيوت أصحابهم ذوي الأعباء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت