أخيه في التواضع وإن ارتفع شأنه واتسعت ولايته وعظم جاهه) [1] .
ومما يغم الصاحب أن تشعره أن لديك من هم أهم منه وأحب إليك من أهل أو أصدقاء وإخوان، فإن هذا مما لا فائدة فيه، وإنما يوحش قلب الصديق ويشعره بنوع من الحقارة والهوان، وربما أدرك الصديق ذلك دون أن تصرح له، ولكن في هذه الحالة يكون الأمر أخف على نفسه من أن تستهين بمشاعره وتصدمه في عواطفه لا سيما إذا كان يعدك أحب الناس إليه.
والداعية الناجح والمحب الصادق ينبغي أن يكون له في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة في قربه لأصحابه وتقريبهم له وإشعاره كل واحد منهم أنه الأثير عنده القريب إليه، ومن ذلك: إردافه معاذًا على الدابة [2] ، ومماشاته لأبي ذر في الليل [3] ، وثناؤه على أشج عبد القيس [4] وعلى كثير من أصحابه ... إلخ، مع أنه متقرر في الواقع عندهم جميعًا وبكلامه - صلى الله عليه وسلم - أن أبا بكر أحب الرجال إليه وأقربهم منه [5] ، لكن لم يقل لفرد بعينه: فلان
(1) مختصر منهاج القاصدين ص99.
(2) رواه البخاري في الجهاد رقم (2856) ، وفي مواضع أخرى، ومسلم في الإيمان رقم (30) ، وأبو داود في الجهاد رقم (2559) من حديث معاذ رضي الله عنه.
(3) روى البخاري في الرقاق رقم (6443) ، ومسلم في الزكاة رقم (94) ، وأحمد في المسند (5/ 152) عن أبي ذر رضي الله عنه قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي وحده وليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظلم القمر فالتفت فرآني فقال: (( من هذا؟ ) )قلت: أبو ذر جعلني الله فداءك. قال: (( يا أبا ذر، تعال ) )قال: فمشيت معه ساعة ... الحدث.
(4) سبق تخريجه ص148.
(5) عن أبي عثمان قال: حدثني عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثه على جيش ذات السلاسل فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: (( عائشة ) )فقلت: من الرجال؟ قال: (( أبوها ) )، قلت: ثم من؟ قال: (( ثم عمر بن الخطاب ) )فعدّ رجالًا. رواه البخاري في فضائل الصحابة رقم (3662، 4358) واللفظ له، ورواه مسلم في فضائل الصحابة أيضًا رقم (2384) ، والترمذي في المناقب رقم (3885) .