ألسنتهم لاغية، وأسماعهم صاغية، وقلوبهم لاهية، وأديانهم واهية، والفاحشة بينهم فاشية، فخفت عليهم من الداهية، فتنحيت عنهم ناحية، وصرت منهم في عافية [1] .
وبعدما مضى من تلك الأقوال التي اختار أصحابها العزلة، وما طفح به كثير منها من التعبير عن الصدمة في الأصحاب وافتقاد الإخاء الصادق ... هب أنك تعرضت لبعض المواقف التي صدمت فيها من بعض أحبابك حتى شعرت أنك ليس لك حبيب ... فهل من شيء تقاوم به الأثر النفسي المؤلم الذي يحل بك؟
والجواب أنه لا يعوض الأنس بالإخوان والشعور بالقرب منهم إلا شيء أعظم من ذلك، ولا أعظم من ذلك إلا الأنس بالله والاستغناء به عن الخلق أجمعين، والتلذذ بمناجاته وبكلامه، والنصب في عبادته وذكره ودعائه ...
قيل لبعضهم: أعندك شيء تستأنس به؟ فقال: نعم، مصحف، وأنشد يقول:
وكُتبي حولي لا تفارقُ مضجَعي ... وفيها شفاءٌ للذي أنا كاتمُ
وقال بعضهم:
من عرف الله فلم تغنه ... معرفةُ الله فذاكَ الشَّقي
ما يصْنَعُ العبدُ بعز الغنى ... والعز كل العز للمتقي
ما ضرَّ ذا الطاعةِ ما نالَهُ ... في طاعة الله وماذا لَقِي [2]
وإلى جانب هذا العلاج فهناك الوقاية ومنها أن لا تندفع سريعًا في حبك لأحد إلى
(1) الصداقة والصديق 95، 96، وهو بنحوه في المختار من رسالة الصداقة والصديق لأبي حيان التوحيدي ص 66.
(2) منهاج العابدين ص 71، 72.