فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 173

أنِست بوحْدتي حتى لو أني ... رأيتُ الإنسَ لاستوحشتُ منه

ولم تدعِ التجاربُ لي صديقًا ... أمِيلُ إليه إلا ملْتُ عنه

وما ظَفِرَتْ يَدِي بصديقِ صدقٍ ... أخافُ عليه إلا خفْتُ منه

وبقدر ما يكون حسن ظن الصديق بأصدقائه، واجتهاده في القيام بحقوقهم، وإخلاصه في محبتهم، وتضحيته من أجلهم بقدر ما تكون صدمته حين يكتشف أنهم لا يستحقون ذلك ... ولا يرى حلًا إلا الانفراد ...

دخل سفيان على رجل من أهل العلم والصلاح قد اعتزل الناس، فقال له سفيان: تعتزل الناس، والناس محتاجون إليك؟ قال: يا سفيان، العزلة الدَّعَة، فسد الزمان، وتغيّر الإخوان، فرأيت الانفراد أسكن للفؤاد، ثم أنشد قائلًا:

لا تجزعنَّ لوحدةٍ وتفردٍ ... ومن التفرد في زمانِك فازددِ

ذهب الإخاءُ فليس ثَمَّ أخُوةٌ ... إلا التملّق باللسان وباليدِ

فإذا كشفتَ ضميرَها بصدورهم ... أبصرتَ ثَمَّ نقيع سُمَّ الأسود

وعوتب بعضهم لما اعتزل الناس، فقال: صحبت الناس أربعين سنة، فما رأيتهم غفروا لي ذنبًا، ولا ستروا لي عيبًا، ولا أقالوا لي عثرة، ولا جبروا مني كسرة، ولا بذلوا لي نصرة، ورأيت الشغل بهم تضييعًا للحياة، وتباعدًا من الله تعالى، وتجرعًا للغيظ مع الساعات، وتسليطًا للهوى في الهنات بعد الهنات [1] .

وقيل لعروة بن الزبير لما اتخذ دارًا بعيدة من الخلق، لما تركت الناس؟ فقال: إن

(1) الصداقة والصديق 95.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت