الدنيوية الحقيرة، والتفكير في الدنيا وشهواتها، ويملأ قلبك وحشة من إخوانك ومن الدعوة ومن مجالس العلم حتى تصبح لقمة سائغة له وفريسة لا حراك لها بين يديه، وهذا هو الخسران المبين.
وقد أقسم الله جل وعلا فقال: {وَالْعَصْرِ. إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} فأي تواصٍ يمكن أن يحدث إذا كان الإنسان لا يريد الاختلاط بغيره ويبتعد عن مواطن التناصح والتواصي؟!
وإن المؤمن الصادق لا يطيق مثل هذه الحياة، فإنما يصبر على الحياة ويحبها من أجل ما يجده من إخوانه من التوجيه النافع والكلام الطيب والصحبة الهنيئة، وصدق عمر رضي الله عنه إذ يقول: لولا ثلاث لأحببت أن أكون قد لقيت الله: لولا أن أضع جبهتي لله، أو أجلس في مجالس ينتقى فيها طيب الكلام كما ينقى جيد التمر، أو أن أسير في سبيل الله عز وجل [1] .
وكم تصبح الحياة قاسية حين ينضب معين الأخوة، وكم يصيبها السوء والانحدار، فإن حياة الناس لا تسوء حتى تفقد الأخلاقيات العالية والمشاعر الصادقة والمثاليات الرفيعة، كما أن الأمة لا تنحدر مرة واحدة وإنما يأتي الانحدار دائمًا تدريجيًا، فأول السيل قطرة، والبلاء يكون يسيرًا في بدايته ثم يستفحل.
ومن المشاهَدِ أن من الأمور التي تنذر بشر ضياع الألفة بين الناس وكأنه كلما مرَّ الزمان وازدادت المدنية ازداد تقطيع الأواصر [2] وشتان بين حالنا ... وحال سلفنا وما
(1) حلية الأولياء (1/ 51) .
(2) وقد روى البخاري في الأدب المفرد رقم (263) عن عمير بن إسحاق رحمه الله أنه قال: كنا نتحدث أن أول ما يرفع من الناس الألفة، إلا أن أول ما يرفع بين الناس الألفة، إلا أن الألباني حفظه الله قال:"ضعيف الإسناد عمير وثق وفيه القاسم بن مالك فيه لين"اهـ، ضعيف الأدب المفرد رقم (43) .