كانوا عليه من التآلف والتآخي.
وشتان بين مجتمع تسوده الألفة والمودة والإخاء والمحبة، يشعر الفرد فيه بقربه من الآخرين وقربهم منه دون انقباض ولا تكلف، ومجتمع يعيش كل فرد فيه وحده يستثقل أن يجتمع بأحد أو يجتمع إليه أحد، ينقبض من الآخرين، وينعزل كل فرد عن الآخر، وتخلو الحياة من المشاعر الرقيقة والأشواق الرفيعة، فإذا هذه الأمة التي ينبغي أن تكون جسدًا واحدًا [1] قد صارت أجسادًا كثيرة لا حصر لها، تحيا حياة مملة جافة قاسية لا روح فيها ولا معنى.
والألفة لا ترفع من الناس، مرة واحدة، ولكن هناك مقدمات تحدث تكون سببًا لزوال الألفة، وكم من صاحب لم يراع بعض الأمور مع صاحبه فأصبح ثقيلًا عليه وزالت من بينها الألفة؛ لذا كان من المهم أن نعرف كيف نحافظ على الألفة، وننميها بيننا، وأن نعلم كل ما يفسدها لنتقيه ونحذر منه.
وينبغي أن لا نستهين بما تتركه أقوالنا وتصرفاتنا ومواقفنا من أثر على نفوس أصحابنا، فقد يكون أثر الصاحب على صاحبه دافعًا له لحب جميع أصحابه والتعلق بهم حتى ليرى أنهم سبب سعادته ولا يطيق فراقهم.
فليتني أحيَا بقربهم ... فإذا فقدتهم انقَضَى عمري
فتكون دارِي بين دورهم ... ويكون بين قبورهم قَبْرِي
(1) قال - صلى الله عليه وسلم: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) ). رواه البخاري في الأدب رقم (6011) ، ومسلم في البر والصلة رقم (2586) ، والبغوي في شرح السنة (13/ 46) .