فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 173

وقد يكون أثر الصاحب على صاحبه دافعًا له لكره مصاحبة الخلق وإيثار العزلة والانفراد عنهم.

لا تجزعنَّ لوحْدَةٍ وتَفَرُّد ... ومن التَّفرد في زمانك فازْدَدِ

ذهب الإخاءُ فليس ثَمَّ أخوةٌ ... إلا التَّملُّق باللسان وباليَدِ

فإذا كشفت ضميرهم بصدورهمْ ... أبْصرت ثَمَّ نقِيع سم الأسوَد

فتأمل عظم الأثر النفسي للصاحب على صاحبه، وكيف يتراوح من أن يكون الصاحب لصاحبه غذاءه الذي تقوم به حياته ولابد له منه في كل وقت، ودواءه الذي يحتاجه في الحين بعد الحين وليس في كل وقت، إلى أن يكون سُمَّه وداءه الذي يقضي عليه ويحطمه [1] ، (فالصداقة قد تولد الحب وقد تولد عدمه، وقد تولد الإيثار وقد تولد

(1) قال الماوردي في أدب الدنيا والدين ص170، 171:(قال المأمون: الإخوان ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء؛ لا يستغنى عنه، وطبقة كالدواء؛ يحتاج إليه أحيانًا، وطبقة كالداء؛ لا يحتاج إليه أبدًا. اهـ. ولعمري إن الناس على ما وصفهم، ولكن ليس من كان منهم كالداء من الإخوان المعدودين، بل هم من الأعداء المخدورين، وإنما يداجون ـ من داجاه إذا ساتره ـ المودة استكشافًا لشرهم، وتحرزًا من مكاشفتهم، فدخلوا في عداد الإخوان بالمظاهرة والمساترة، وفي الأعداء عند المكاشفة والمجاهرة ...

فإذا خرج من كان كالداء من عداد الإخوان، فالإخوان هم الصنفان الآخران، من كان منهم كالغذاء أو كالدواء؛ لأن الغذاء قوام للنفس وحياتها، والدواء علاجها وصلاحها، وأفضلهما من كان كالغذاء؛ لأن الحاجة إليه أعم. وإذا تميز الإخوان وجب أن ينزل كل منهم حيث نزلت به أحواله إليه، واستقرت خصاله وخلاله عليه، فمن قويت أسبابه قويت الثقة به، وبحسب الثقة به يكون الركون إليه، والتعويل عليه).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت