لو كان حبّك صادِقًا لأطعْتَه ... إن المحبَّ لمن يُحِبُّ مُطِع
وهو قول صحيح ولكن المستدل به في هذا الموطن يرتب عليه أشياء غير صحيحة؛ حيث ينفي ما سوى الطاعة من معاني المحبة فيحصر المحبة في الطاعة فحسب، ولا يعظم أمر العاطفة القلبية التي هي محبة أيضًا وعرفت من طريق الشرع كذلك كالحقوق والواجبات.
فلا شك أن العاطفة القلبية تجاه المحبوب جزء من المحبة الشرعية، كما قال - صلى الله عليه وسلم - ـ لما أتى برجل يشرب الخمر فلعنه رجل من القوم ـ: (( لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله ) ) [1] .
وعرف التاريخ من يشرب الخمر ثم يصر على الخروج للقتال في سبيل الله؛ لأنه يحب الله ورسوله [2] ، وقد أنصف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حين تحدث عن
(1) رواه بهذا اللفظ البغوي في شرح السنة (10/ 336، 337) ، ورواه البخاري في الحدود رقم (6780) بلفظ:"لا تلعنوه فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله"، وراجع توجيه الحافظ ابن حجر رحمه الله لرواية البخاري المذكورة في الفتح (12/ 79، 80) .
(2) وكان ذلك في وقعة القادسية، حين أمر سعد بن أبي وقاص بأبي محجن الثقفي فقيد وأودع في القصر سجينًا بسبب شربه الخمر، فلما رأى أبو محجن الخيول تحوم حول حمى القصر وكان من الشجعان الأبطال قال:
كفى حزنًا أن تردَا الخيل بالقنَا ... وأترك مشدودًا عليَّ وثاقيا
إذا قمتُ عناني الحديدُ وغلّقتْ ... مصاريعُ دوني تُصم المناديا
وقدْ كنتُ ذا مال كثير وإخوة ... وقد تَركُوني مُفردًا لا أخَا ليا
ثم سأل أم ولد سعد أن تطلقه وتعيره فرس سعد، وحلف لها أنه يرجع آخر النهار فيضع رجله في القيد فأطلقته، وركب فرس سعد ـ وكان سعد مريضًا، وقد جلس في القصر ينظر في مصالح الجيش ـ وخرج فقاتل قتالًا شديدًا وجعل سعد ينظر إلى فرسه فيعرفها وينكرها ويشبهه بأبي محجن ولكن يشك لظنه أنه في القصر موثق، فلما كان آخر النهار رجع فوضع رجله في قيدها ونزل سعد فوجد فرسه يعرق، فقال: ما هذا! فذكروا له قصة أبي محجن فرضي عنه وأطلقه رضي الله عنهما (وقد ساق ابن كثير قصة أبي محجن بتمامها في البداية والنهاية 5/ 113) .