كم صديق عرفته بصَدِيقٍ ... كان أحظى مِنَ الصديق العتيق
ورفيقُ صحبته في طريق ... صار بعد الطَّرِيقِ خير رَفِيقِ [1]
ومن أسباب زيادة الألفة وصيانتها عن الفساد والوحشة وحفظها من الزوال موافقة الصاحب في أحواله، والسهولة واللين معه، فان كثرة المخالفة تزيل الألفة, وقد قال - صلى الله عليه وسلم - مبينًا سمت أهل الإيمان: (( المؤمنون هينون لينون، كالجمل الأنف إذا قيد انقاد وإذا أنيخ على صخرة استناخ ) ) [2] ، وقال أيضًا: (( ألا أنبئكم بمن يحرم على النار أو بمن تحرم عليه النار؟ على قريب هين سهل ) ) [3] ، وفي رواية: (( من كان سهلًا هينًا لينًا حرمه الله على النار ) ) [4] ...
وإذا صحبتَ فاصحبْ صَاحِبًا ... ذا حياء وعفافٍ وكرَم
قوله للشيء لا إن قلت لا ... وإذا قلت نعم قال نَعَم [5]
وهذا بلا شك فيما لا يخالف الشرع بل في الإطار الذي لا يمنع الشرع من الموافقة فيه، كما في الأمور التي ترجع إلى المزاج وما يهواه الصاحب مما لا تقييد فيه من قبل الشارع.
فمن الحياء والإيثار ومما تكسب به قلب الصديق وحبه أن توافقه في ذلك وإن لم يناسب مزاجك أو هواك درءًا للجدال، وتقريبًا للأرواح والقلوب، وحفظًا لها من التغير بسبب أمور لا تمس الدين في شيء، فإن كثرة المخالفة توحش القلب وتشعر بعدم التناسب وتزيل الانسجام.
فكن لينًا سهلًا مع أخيك طيعًا له، ذا رقة في التعامل معه، بعيدًا عن الغلظة والفظاظة عسى أن يشملك هذا الوعد العظيم بالتحريم على النار الذي بشر به المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أولئك الهينين اللينين.
وقد كان - صلى الله عليه وسلم - قدوة في اللين والسهولة والبعد عن الكبر والفظاظة حتى إن الأمة كانت تأخذ بيده فتنطلق به لحاجتها إلى حيث شاءت من المدينة [6] ، بل ما أعجب ما ذكره أنس رضي الله عنه ـ خادمه ـ إذ يقول: خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما قال لي:
(1) المختار من الصداقة والصديق لأبي حيان التوحيدي ص130.
(2) أورده السيوطي في الجامع الصغير وعزاه لابن المبارك عن مكحول مرسلًا، والبيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما، وذكر الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (936) وقال: رواه العقيلي في الضعفاء 214، ثم ذكر له شاهدًا وقال: فالحديث به حسن. اهـ. انظر: فيض القدير (6/ 258) رقم (9163) ، صحيح الجامع الصغير رقم (6669) ، سلسلة الأحاديث الصحيحة (2/ 646، 647) .
قوله:"الأنف"في رواية"الألف"باللام ومعنى الأنف أي الذي عقره الخطام، وإن كان من خشاش أو بُرة أو خِزامة في أنفه فمعناه أنه ليس يمتنع على قائده في شيء للوجع، فهو ذلول منقاد. انظر: لسان العرب (1/ 151) .
(3) رواه الترمذي في صفة القيامة رقم (24889، وأحمد في المسند(1/ 415) ولفظه"كل هين لين سهل قريب من الناس"، والبغوي في شرح السنة (13/ 85) بنحو رواية أحمد، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم (2609) ، وفي الصحيحة رقم (38) وذكر له شواهد كثيرة، وكذا صححه شعيب الأرناؤوط في تخريج شرح السنة (13/ 86) ، وراجع في شواهد مجمع الزوائد (4/ 75) .
(4) صحيح الجامع الصغير رقم (6484) .
(5) العزلة للخطابي ص71.
(6) رواه البخاري في الأدب رقم (6072) .