أفٍ قط, ولا قال لشيء فعلته: لمَ فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: لِمَ لَمْ تفعلْه [1] ! هذا مع الخادم فكيف مع الصاحب؟!
ولهذا جمع الله حوله القلوب, قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] .
وتأمل ما ذكره ابن كثير رحمه الله في حكمة إرسال الله الرسل من أهل القرى لا من البوادي إذ يقول في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: 109] : (وقوله: {مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} المراد بالقرى المدن، لا أنهم من أهل البوادي الذين هم من أجفى الناس طباعًا وأخلاقًا، وهذا هو المعهود المعروف أن أهل المدن أرق طباعًا وألطف من أهل بواديهم وأهل الريف والسواد أقرب حالًا من الذين يسكنون في البوادي؛ ولهذا قال تعالى: {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} [التوبة: 97] الآية، وقال قتادة في قوله: {مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} : لأنهم أعلم وأحلم من أهل العمود) [2] .
وتأمل ما وصف الله به أولياءه وأحباءه وما بينهم من التراحم والتواضع وذلة بعضهم على بعض فيقول جل وعلا: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] ، ويقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}
(1) رواه البخاري في الأدب رقم (6038) ، ومسلم في الفضائل رقم (2309) ، وأبو داود في الأدب رقم (4774) ، والترمذي في البر والصلة رقم (2015) ، وفي الشمائل رقم (296) مختصر الشمائل، والدارمي في المقدمة رقم (62) .
(2) تفسير ابن كثير (2/ 478) ، وأهل العمود هم أهل البادية، والعمود هو الخشبة القائمة في وسط الخباء. انظر: لسان العرب ص3097.