قال الفضيل بن عياض رحمه الله: من طلب أخًا بلا عيب بقي بلا أخ [1] .
وقد أجاد من قال:
عاشِرْ أخاك على ما كان من خُلقٍ ... واحفظْ مودَّتَه بالغيبِ ما وَصَلا
فأطولُ الناسِ غمًا من يريدُ أخًا ... ذا خِلَّة لا يرى في وُده خَلَلا
(فلا يوجد صديق بلا عيوب، ولذا قال الشاعر:
لا يُزهدنَّك في أخٍ لك ... أن تراهُ زلَّ زَلَّه
ما من أخِ لَكَ لا يُعاب ... ولو حرِصتَ الحرصَ كله
وقد نكره أشياء في بعض الناس ولكن عندما نفتقدهم ونخالط من هم أسوأ منهم ندرك الخير الذي كان فيهم ولم نعبأ به، يقول الشاعر:
بكيتُ من عمروٍ فلما تركتُه ... وجربْتُ أقوامًا بكَيْتُ على عمْروٍ
وقال آخر [2] :
عتبتُ على سلْمٍ فلمّا فقدتُه ... وجرَّبْتُ أقوامًا بكيتُ على سَلْمٍ) [3]
فمن حسن الفهم إذًا ومن الفطنة أن توقن أنه لا يخلو صاحب من نقص، فالبشر هم البشر:
هم النَّاس والدنيا ولابدَّ من قَّذَى ... يُلِمُّ بعين أو يكدَّرُ مشْرَبَا
ومن قلةِ الإنصافِ أنك تبتغي المهُـ ... ـذبَ في الدنيا ولستَ المهذَّبا [4]
وأنشد بعضهم:
لا يؤيسنّك من صديق نبوة ... يَنْبُو الفتى وهو الجَوَادُ الخضرمُ
فإذا نَبَا فاستبْقِه وتأنَّه ... حتى تفيء به وطبعُك أكرمُ [5]
وقد قالت الحكماء: أي عالم لا يهفو، وأي صارم لا ينبو، وأي جواد لا يكبو [6] .
وقالوا: من حاول صديقًا يأمن زلته ويدوم اغتباطه به كان كضال الطريق الذي لا يزداد لنفسه إتعابًا إلا ازداد من غايته بعدًا [7] .
وقال بعض البلغاء: لا يزهدنّك في رجل حمدت سيرته، وارتضيت وتيرته، وعرفت فضله، وبطنت عقله عيب تحيط به كثرة فضائله، أو ذنب صغير تستغفر له قوة وسائله، فإنك لن تجد ـ ما بقيت ـ مهذبًا لا يكون فيه عيب، ولا يقع منه ذنب، فاعتبر نفسك بعد أن لا تراها بعين الرضا، ولا تجري فيها على حكم الهوى، فإن في اعتبارك واختيارك لها ما يؤيسك مما تطلب، ويعطفك على من يذنب [8] .
(1) روضة العقلاء ص169.
(2) عيون الأخبار (2/ 6) ، بهجة المجالس (2/ 659) .
(3) انظر: فن التعامل مع الناس ص27.
(4) أدب الدنيا والدين ص175، والبيتان لابن الرومي.
(5) أدب الدنيا والدين ص175، والبيتان للأزدي.
(6) أدب الدنيا والدين ص179، وبهامشه نبا السيف عن الضريبة: كلَّ ولم يقطع.
(7) أدب الدنيا والدين ص179.
(8) أدب الدنيا والدين ص174.