الصفحة 15 من 40

ثم قال ابن القيم: وهذا من دلائل النبوة، فإن عامة العينة إنما تقع من رجل مضطر إلي نفقة يضن بها عليه الموسر بالقرض، حتى يربح عليه في المائة ما احب.

وهذا المضطر إن أعاد السلعة إلى بائعها فهي العينة، وإن باعها لغيره، فهو التورق، ورجعت إلى ثالث يدخل بينهما فهو محلل للربا.

والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون، أخفها التورق.

والتورق قد كرهه عمر بن عبد العزيز، وقال: هو آَخِِيَّةُ الربا [1] .

وعن أحمد: فيه روايتان، وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطر، وهذا من فقهه رضي الله عنه، قال: فإن هذا لا يدخل فيه إلا مضطر وكان شيخنا رحمة الله (يقصد ابن تيمية) يمنع مسألة التورق وروجع فيه مرارًا وأنا حاضر، فلم يرخص فيها، وقال: المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينها مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه. [2]

الرأى الثانى: يرى جواز بيع المضطر وهو رأى الشافعية والحنابلة على الأصح عندهما والظاهرية والزيدية على تفصيل لهم

قال الشافعية: إن بيع المضطر وشراءه إن كان بثمن المثل فالبيع صحيح ويلزمه ثمن المثل؛ وإن كان بأكثر من ثمن المثل؛ ففيه أوجه: أقيسها وهو الأصح عند القاضى أبى الطيب؛ يلزمه المسمى في العقد؛ لأنه التزمه بعقد لازم؛ وأصحها عند الرويانى: لا يلزمه إلا ثمن المثل في ذلك الزمان والمكان؛ لأنه كالمكره؛ والثالث: وهو اختيار صاحب الحاوي: إن كانت الزيادة لاتشق على المضطر ليساره؛ لزمته؛ وإلا فلا تلزمه.

وأما العقد .... فالأقيس صحة البيع؛ حيث قال في الروضة (( قد يفهم من كلامهم القطع بصحة البيع؛ وأن الخلاف فيما يلزم ثمنا؛ لكن الوجه: جعل الخلاف في صحة العقد لمعنى الإكراه؛ فإن المضطر هل هو مكره؛ أم لا وفى تعليق الشيخ أبى حامد مايبين ذلك؛ وقد صرح به الإمام؛ فقال الشراء بالثمن الغالي للضرورة؛ هل يجعله مكروها؛ حتى لايصح الشراء؟ وجهان أثبتهما صحه البيع.

وليس للمضطر الأخذ قهرًا اذا بذل المالك بثمن المثل؛ فإن طلب أكثر فله ألا يقبل ويأخذه قهرًا؛ ويقاتله عليه؛ فإن اشتراه بالزيادة مع إمكان أخذه قهرًا فهو مختار في الالتزام؛ فيلزمه المسمى بلا خلاف؛ والخلاف السابق انما هو فمن عجز عن الأخذ قهرًا [3]

وقال الحنابلة: فيمن اضطر إلى طعام فوجده مع صاحبه فامتنع عن بذله له؛ ووجد ثمنه؛ لم يجر مكابرته عليه وأخذه منه؛ وعدل إلى الميتة؛ سواء كان قوياَ يخاف من مكابرته التلف أو لم يخف ...

وإن امتنع من بذله إلا بأكثر من ثمن مثله؛ فاشتراه المضطر بذلك؛ لم يلزمه أكثر من ثمن مثله؛ لأن الزيادة أحوج إلى بذلها بغير حق فلم يلزمه؛ كالمكره. ومن هذا النص يتبين انا أن الحنابلة يرون صحة شراء المضطر؛ ولا يلزمة أكثر من ثمن المثل 1؛ ونقل حنبل؛ وكذا حرب تحريمه وكراهته؛ وفسره في روايته فقال: يجيئك

(1) آَخِِيَّةُ -بالمد والتشديد - عروة تربط إلى وتد مدقوق وتشد فيها الدابة- وجمعها أواخ.

(2) إعلام الموقعين ج 3 ص 170

(3) روضة الطالبين جـ 2 ص 553

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت