فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 65

ولي القاضي عبد الوهاب قضاء الدينور وبادرايا وباكسايا من أعمال العراق، ثم رحل مضطرا إلى مصر وولي القضاء بها، فذاع صيته، وانثالت في يده الرغائب، لكن إقامته بها لم تتجاوز أشهرا، حتى وافته المنية عليه رحمه الله سنة: 422 هـ.

واختلف الرأي في سبب خروجه من بغداد ورحيله إلى مصر، فقيل: إن سبب ذلك قصة جرت له لكلام قاله في الشافعي وطرد لأجله، فعجل بالفرار منها خائفا على نفسه، وقد عبر عن شدة لوعته وتحسره على مغادرة موطنه مكرها بأبيات شعرية رائعة، منها قوله:

سلام على بغداد في كل موطن ... وحق لها مني سلام مضاعف

لعمرك ما فارقتها عن قلى لها ... وإني بشطي جانبيها لعارف

ولكنها ضاقت علي برحبها ... ولم تكن الأرزاق فيها تساعف

فكانت كخل كنت أهوى دنوهذ ... وأخلاقه تنأى به وتخالف

وقيل: إن ذلك كان بسبب ما كان يعانيه من ضيق الحال وعسر العيش، وما لحقه من إفلاس كبير نتيجة تدهور الحياة الاقتصادية ببغداد، ولعل هذا هو السبب الأقوى والأشد تأثيرًا على القاضي عبد الوهاب [1] .

ومما يؤكد ذلك أنه لما خرج من بغداد إلى مصر، تبعه عدد من الفقهاء والأشراف من أهلها وقالوا له:"والله لقد يعز علينا فراقك"، فقال لهم:"والله لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كل غداة وعشية ما عدلت ببلدكم لبلوغ أمنية، ولقد ترك أبي جملة دنانير ودارا، أنفقتها كلها على صعاليك ممن كان ينهض بالطلب عندي"، فنكس كل واحد منهم رأسه ثم أمرهم بالانصراف فانصروا [2] .

ويجدر التنبيه على أن هذه الطبقة هي آخر طبقة انتهت إليها رئاسة المذهب المالكي في العراق تدريسا وإفتاء وقضاء. فمع رحيل القاضي عبد الوهاب إلى مصر بدأت تظهر عوامل ضعف المدرسة المالكية العراقية، التي أخذت في الانهيار والانقراض بعد ذلك، فخبت أضواؤها، وأفل نجمها في البيئة العراقية، وغابت شمسها التي ظلت ساطعة أكثر من قرنين من الزمن في مختلف ربوع العراق.

يقول القاضي عياض رحمه الله تعالى:"واستقر - أي المذهب المالكي - من بلاد العراق بالبصرة، فغلب عليها بابن مهدي والقعنبي وغيرهما، ثم بأتباعهم من ابن المعذل ويعقوب بن شيبة، وآل حماد بن زيد،"

(1) انظر رسالة (قواعد الفقه المالكي من خلال كتاب"الإشراف على مسائل الخلاف"، للدكتور محمد الروكي، ص: 34.

(2) انظر تاريخ بغداد: 11/ 31؛ طبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: 170، 171؛ البداية والنهاية: 12/ 31؛ ترتيب المدارك: 7/ 220 - 226؛ المرقبة العليا، ص: 40 - 42؛ الديباج المذهب: 2/ 26 - 29؛ شجرة النور الزكية، ص: 103، 104؛ الفكر السامي: 2/ 204، 205.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت