حاولت من خلال هذا البحث المتواضع، الذي أرجو أن يكون مجزيًا، الإلمام بأطراف موضوعه، فبسطت الحديث في المبحث الأول منه عن عوامل نشأة المدرسة المالكية العراقية وتحدثت في المبحث الثاني عن أهم أقطاب ورواد هذه المدرسة الذين شكلوا أعمدتها وأركانها التي قامت عليها، ذاكرًا من أخبارهم ومناقبهم وإنتاجاتهم العلمية ما يبرز مكانتهم، ويعكس اختياراتهم وتوجهاتهم. وفصلت القول في المبحث الثالث والأخير عن أهم الخصائص والسمات المنهجية التي تتسم بها مدرسة الفقه المالكي بالعراق.
وفيما يلي عرض لأهم النتائج العلمية المتوصل إليها:
1 -يمكن إجمال العوامل التي كان لها الأثر في انتقال المذهب المالكي إلى بلاد العراق وانتشاره بها في أمرين اثنين: أولًا: الشخصية العلمية والسلوكية الفذة والمتميزة لصاحب المذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى. ثانيا: دخول المصادر العلمية الأولى للمذهب المالكي إلى بلاد العراق، ممثلة في الموطأ والأسمعة والمسائل المروية عن إمام دار الهجرة مالك عليه الرحمة والرضوان.
2 -إن القول بأن القاضي إسماعيل المتوفى سنة 282 هـ، هو مؤسس المالكية بالعراق غير صحيح، فقد وجد قبل هذا العلم الفذ أئمة كبار أسهموا جميعا - وبنسب متفاوتة - في وضع الحجر الأساس لبناء المدرسة المالكية العراقية، ومن هؤلاء: الإمام أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي العنبري (ت: 198 هـ) ، الذي كان له إسهام كبير في التعريف بالفقه المالكي والترويج له في العراق، من خلال حلقات الدرس التي كان يشرف عليها، وكذا المناظرات العلمية التي كان يعقدها، والإمام عبد الله بن مسلمة القعنبي (ت: 220 هـ / 221 هـ) ، الذي كان له أيضًا أثر بين وجلي في نشر المذهب المالكي والتمكين له بتلك الديار.
3 -لقد كان لفقهاء المالكية المنتسبين إلى (بيت آل حماد) المشهور بالعلم والفضل أثر فعال وإسهام كبير في البناء الفقهي والأصولي للمدرسة المالكية العراقية، وعرف المذهب في عهدهم مزيدا من الذيوع والانتشار والتغلغل في مختلف أنحاء العراق، فازدادت مكانته سموا ورفعة، وامتد سلطانه، وتقوى نفوذه أكثر من ذي قبل، بسبب ما كان يتمتع به أولئك الفقهاء من صلاحيات واسعة، فإليهم كانت تسند مناصب عليا في البلاد، كمنصب قاضي القضاة مثلا، ولم يكن بإمكان أحد أن يرد ما يحكمون به ويصير إلى خلاف ما يقضون به.
4 -يعتبر القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد بن زيد أفضل وأعلم وأفقه وأبرز الأعلام المنحدرين من هذه الأسرة العلمية الشهيرة، فقد قدم للمذهب المالكي في العراق خدمات جليلة، حيث مكث برهة طويلة يبسطه ويشرحه ويلخصه، ويحتج له، ويحدد معالمه، ويظهر محاسنه ومزاياه، وينشر منه ما لم يكن بالعراق في وقت من الأوقات، وهذا ما جعل البعض يعتبره المؤسس الأول للفرع المالكي بالعراق. وقد ألمعنا