المبحث الأول
أسباب انتشار المذهب المالكي بالعراق
ثمة عوامل شتى أسهمت في انتقال المذهب المالكيّ إلى العراق وانتشاره به، نجملها فيما يلي:
أولا: شخصية صاحب المذهب الإمام مالك -رحمه الله تعالى-:
إن لإمام دار الهجرة والنصرة أبي عبد الله مالك بن أنس -عليه رحمة الله تعالى ورضي عنه- من علوّ القدر، وعظيم الشأن، ورفعة المنزلة، وسمو المكانة، وكمال الشهرة ما يغني عن التوسع والإسهاب في التعريف به والترجمة له، وتعديد مناقبه، ونشر أحواله ومآثره، خصوصًا وأن عددًا جمًّا من أهل العلم، قديمًا وحديثًا، قد تكفلوا بذلك، فتحدثوا عن حياته العامة والعلمية بما فيه الكفاية والغناء، وفي مقدمتهم: القاضي عياض -عليه رحمة الله- [1] .
لذلك: فإنني سأحاول تقديم نبذة موجزة، وحكاية جمل باهرة وفقر مقتضبة من حياته العلمية وسيرته العطرة، بالقدر الذي يسمح بتجلية وإظهار علو المرتقى الرفيع الذي احتله هذا الإمام الجهبذ الذي ملأت شهرته الآفاق، مما كان له الأثر في تسهيل وتيسير دخول مذهبه إلى أقطار شتّى، وانتشاره فيها على أوسع نطاق، فأقول وبالله التوفيق:
لقد كان الإمام مالك -عليه رحمة لله- آية من آيات الله العظام، ونادرة من نوادر عصره، وأعلم أهل زمانه [2] ، لا يساهم ولا يزاحم، ولا يناضل ولا ينازع. جمع الله له من شمل الفضائل والفواضل والمزايا والمحاسن ما يكلّ اللسان عن تعدادها وتفصيلها، ويتكفكف [3] سنا المزبر [4] عن تسطيرها جميعها، وصدق من قال:
(1) راجع ترتيب المدارك، الجزء الأول من ص: 104 إلى نهايته، والجزء الثاني بكامله، وانظر حلية الأولياء، لأبي نعيم الأصفهاني: 6/ 316 - 332؛ تذكرة الحفاظ، لابن القيسراني: 1/ 207 - 213؛ تهذيب الكمال، للمزي: 27/ 91 - 120؛ سير أعلام النبلاء: 8/ 48 - 132؛ تهذيب التهذيب: 10/ 5 - 7 ...
(2) قال الإمام الشافعي رحمه الله:"لم يبلغ أحد مبلغ مالك في العلم"، وكان الإمام الأوزاعي إذا ذكر مالكا قال:"عالم العلماء، وعالم أهل المدينة، ومفتي الحرمين". ونقل عن أبي جعفر المنصور قوله:"إنه أعلم أهل الأرض". وقال القاضي عياض:"لا خفاء على منصف بمنصب مالك من الإمامة في علوم الشريعة وعلم الكتاب والسنة أنه إمام المسلمين وأعلمهم في ... فقه بسنة ماضية وباقية". وقال الذهبي:"لم يكن بالمدينة عالم من بعد التابعين يشبه مالكًا في العلم والفقه والجلالة والحفظ ...".
(ترتيب المدارك: 1/ 76، 77، 80؛ سير أعلام النبلاء: 8/ 57، 58، 94) .
(3) يقال: كفكف فلانا عن الشيء: رده وصرفه. وتكفكف عنه: انصرف. (انظر لسان العرب، مادة: كفف: 9/ 303؛ المعجم الوسيط، نفس المادة: 792) .
(4) المزبر - بكسر الميم: القلم، جمع مزابر. (لسان العرب، مادة: زبر: 4/ 315؛ مختار الصحاح، نفس المادة، ص: 123؛ المعجم الوسيط، ص: 388) .