ذكركم لمالك على أنه يخالفكم كثيرا؟ فالتفت إلي وقال لي: اسكت، كان والله أمير المؤمنين في الآثار، فندم أسد على ما فاته منه، وأجمع أمره على الانتقال إلى مذهبه ..." [1] "
الموطا كتاب جامع بين الأثر والنظر أو بين الفقه والحديث، خلافًا لما ادّعاه البعض من أنه كتاب فقه فقط، ومن هؤلاء بروكلمان في كتابه"تاريخ الأدب العربي" [2] ، وأحمد أمين في كتابه"فجر الإسلام" [3] ، وقد استدل هذا الأخير لدعواه بما حواه الموطّأ من فتاوى مالك وآرائه واجتهاداته الشخصية في بعض المسائل، مما يدل -حسب رأيه- على أن مالكًا لم يكن همّه جمع الأحاديث المعروفة في عهده، وإنما كان غرضه أن يأتي بالتشريع المعزز والمؤصل بنص الحديث.
وهذا الدليل واهٍ ولا ينهض حجة على صحة وسلامة الادعاء المذكور؛ لأن الموطأ في بدايته كان ينطوي على قدر كبير من الأحاديث، اختلف في تحديد عددها، فقيل: عشرة آلاف حديث، وقيل: تسعة آلاف حديث، وقيل: ألف وسبعمائة وعشرون حديثًا، وقيل: ستمائة وستة وستون حديثًا، وقيل غير ذلك.
فأخذ مالك -رحمه الله تعالى- يهذّب موطأه، ويشنبه، وينقحه، ويختصره، ويعرض أحاديثه على الكتاب والسنة، حتى تقلّص عددها إلى ألف وتسعمائة وخمسة وخمسين حديثًا، حسب رواية يحيى الليثي، وألف وثمانية أحاديث، حسب رواية محمد بن الحسن الشيباني [4] .
واختلف في تسمية الموطأ بهذا الاسم على أقوال، منها [5] :
أ: أنه شيء صنعه مالك ووطأه للناس. قيل لابن أبي حاتم الرازي: لم سمي الموطأ موطأ؟ فقال:"شيء صنعه ووطأه للناس حتى قيل موطأ مالك".
(1) ترتيب المدارك: 3/ 295.
(2) الجزء الثالث، ص: 275.
(3) ص: 249.
(4) انظر ترتيب المدارك: 2/ 72، 73؛ مقدمة شرح الزرقاني على الموطأ: 1/ 7.
(5) انظر تنوير الحوالك، للسيوطي: 1/ 7؛ مقدمة شرح الزرقاني على الموطأ: 1/ 7؛ فضل الموطأ وعناية الأمة الإسلامية به، ص: 19؛ الفكر السامي: 1/ 355؛ أقرب المسالك إلى موطأ الإمام مالك، للشيخ محمد التهامي كنون، ص: 32؛ محاضرات في تاريخ المذهب المالكي في الغرب الإسلامي، ص: 152.