وقد حظيت بلدة (العراق) بنصيب وافر وحظ كبير من علم مالك وفقهه، نقله إليها ثلة من تلامذته اللامعين من الطبقة الوسطى.
وعمومًا، فإن الشخصية العلمية والسلوكية الفذة والمتميزة لعالم المدينة مالك بن أنس -رحمه الله تعالى- كان لها الأثر الكبير في انتشار مذهبه في أرجاء شتى من العالم الإسلامي المترامي الأطراف، ومنها بلاد العراق التي كان من أهلها معجبين جدًّا بالإمام مالك، يرون فيه المثل الأعلى والنموذج النادر في العلم والفضل، وكان لهم تعلُّقٌ كبير بشخصه وولع شديد باجتهاده، وقد أسهمت طائفة من أهل العلم منهم في التعريف به، ونشر فضائله وأخباره، والإشادة بمناقبه وما أضيف من السير إليه، منهم: القاضي أبو عبد الله التستري (ت: 345 هـ، فقد صنف في ذلك عشرين جزءًا، والقاضي أبو بكر جعفر بن محمد الفرياني(ت: 301 هـ) ، والقاضي أبو الحسين عبد الله بن المنتاب البغدادي المعروف بالكرابيسي (ت: 330 أو 331 هـ) ، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن سهل البركاني البصري (ت: 319 هـ) ، والقاضي أبو الفضل بكر بن العلاء القشيري البصري (ت: 344 هـ) ، والإمام أبو بكر محمد بن عبد الله الأبهري البغدادي (ت: 375 هـ) [1] .
ومما يدل أيضا على شدة إعجاب العراقيين وتعلقهم بشخصية الإمام مالك ما يلي:
أ - أن محمد بن الحسن الشيباني"كان إذا حدّث أهل الكوفة عن مالك امتلأ منزله وكثر الناس عليه حتى يضيق عليهم الموضع، وإذا حدث عن غير مالك لم يجبه إلا اليسير، فكان يقول:"ما أعلم أحدًا أسوأ ثناء على أصحابكم منكم، إذا حدثتكم عن مالك ملأتم علي الموضع، وإذا حدثتكم عن أصحابكم إنما تأتون متكارهين" [2] ."
ب - أن العراقيين لما بلغهم نبأ وفاة الإمام مالك -عليه رحمة الله ورضوانه- كانت الفاجعة به في أوساطهم كبيرة، وكان الرزء به شديدًا، وكانت اللوعة عامة، فقد ارتجت العراق واهتزت كلها لموته.
نقل القاضي عياض عن محمد بن الحارث وأبي إسحاق الشيرازي ويحيى بن إسحاق قولهم:"رحل أسد إلى العراق فتفقه بأصحاب أبي حنيفة، ثم نعي مالك فارتجّت العراق لموته. قال أسد: فوالله ما بالعراق حلقة إلا وذكر مالك فيها، كلهم يقول: مالك، مالك، إنا لله وإنا إليه راجعون. قال أسد: فلما رأيت شدة وجدهم واجتماعهم على ذلك، ذكرته لمحمد بن الحسن -وهو المنظور فيهم- وقلت له لأختبره: ما كثرة"
(1) انظر ترتيب المدارك: 1/ 9 - 11؛ سير أعلام النبلاء: 8/ 82؛ الديباج المذهب: 1/ 314، 321 و 2/ 148، 149.
(2) الحلية: 6/ 330 و 9/ 74، وانظر تاريخ بغداد: 2/ 173؛ تهذيب الأسماء: 1/ 97، 98.