وهكذا ذاع صيت الإمام مالك، وطبقت شهرته الآفاق، وعرفه الخواصّ والعوامّ، فاستشرفت إليه العيون، وتوجهت إليه الأنظار، وتعلقت به القلوب والأفئدة، فضُربت إليه أكباد الإبل من مشارق الأرض ومغاربها [1] وأَمّه من لا يحصى عددًا من عشاق العلم والتحصيل وطلاب المعرفة والتزكية من الأكابر والأصاغر من كل حدب وصوب، تحدوهم الرغبة الملحة والشغف الكبير والتطلع الشديد إلى لقياه، والإصغاء إليه، والجثوة بين يديه في مجالسه وحلقاته العلمية العامرة ودروسه القيمة المفيدة، للاقتباس من فيض معارفه، والارتواء من منابع العلم وينابيع الحكمة التي يجري سلسبيلها على لسانه، فوجدوا عنده من العلوم والمعارف والمدارك ما يشبع نهمهم، ويصقل أذهانهم، ويغذي عقولهم، ويتجاوب مع أشواقهم وطموحاتهم، فنهلوا وعلوا، وأعبوا واستوعبوا، حتى ملأوا الوفض من بحره الزخار ومعينه الصافي الذي لا ينضب، وغدوا من العلماء الأفذاذ والنبغاء المرموقين، فحملوا مشعل الدعوة، ورفعوا لواء علوم الشريعة، وراحوا يبثون وينشرون ويذيعون ما سمعوه وتلقوه من هذا الإمام الحبر من علوم غزيرة ومعارف ثرة وحكم ناصعة، وكذا ما اقتبسوه منه من شمائل وسجايا خلقية رفيعة زكية، في مختلف البقاع والأصقاع، ونهضوا بالأمانة العلمية على أكمل وجه.
(1) وقد أنذر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في الحديث الصحيح المشهور:"يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحدًا أعلم من عالم المدينة". (رواه أحمد في المسند: 2/ 299، والترمذي في جامعه: أبواب العلم، باب ما جاء في عالم المدينة، ح: 2820، وقال: حديث حسن صحيح - واللفظ له -، والحاكم في المستدرك: 1/ 168 وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصلاة، باب ما يستدل به على ترجيح قول أهل الحجاز وعملهم، ح: 1810، وابن أبي حاتم الرازي في مقدمة الجرح والتعديل، ص: 11، 12، وابن حزم في"إحكام الأحكام": 6/ 283، 284، وابن عبد البر في"التمهيد": 1/ 84، 85، وأبو بكر الخطيب في"الرحلة في طلب الحديث"، ص: 195، وأبو بكر ابن نقطة في"التقييد"، ص: 436، 437، وذكره القاضي عياض في"ترتيب المدارك": 1/ 68 - 70، وابن فرحون في"الديباج": 1/ 65، وغيرهم كثير.