فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 65

إلى أن دخلها بعض الشافعية، فتشارك المذهبان جميعا بها إلى وقتنا هذا، وكان آخر الأئمة بها من المالكيين في زمننا ومرتبة شيوخنا أبا يعلى العبدي، وأبا منصور ابن باخي، وأبا عبد الله بن صالح، فدخل هذا المذهب بغداد وغيرها من بلاد العراق، فانتشر بها مع غيره من المذاهب، ولكنه غلب وفشا أيام قضاء آل حماد بن زيد، وانقطع ببغداد فلم يبق له بها إمام من نحو الخمسين والأربعمائة عند وفاة أبي الفضل ابن عبدوس" [1] ."

المبحث الثالث: خصائص المدرسة المالكية العراقية ومميزاتها

لقد كانت"مدرسة المدينة المنورة"أو"مدرسة الحجاز"هي المدرسة الأم التي تفرعت عنها بقية المدارس المالكية في مختلف البقاع والأصقاع الإسلامية، وكانت تشكل ينبوعا متدفقا انبثقت منه كل روافد المذهب، ومنهلا عذبا استقت منه ونهلت وعلت كل الاتجاهات الفقهية المالكية، ومعينا صافيا ارتوى منه الجميع. وقد اتسمت كل مدرسة من مدارس الفقه المالكي بسمات خاصة وميزت بمزايا محددة تفردت بها عن غيرها، سواء على مستوى المصادر المعتمدة، أو على مستوى المنهج الاستدلالي المحتدى وطريقة الاستنباط المتبعة.

ويمكن إبراز أهم خصائص ومميزات المدرسة الفقهية المالكية بالعراق فيما يلي:

أولًا: على مستوى المصادر المعتمدة:

اشتهر كل فرع من فروع المذهب المالكي باعتماد مصادر معينة في التلقين والتدريس والتأليف والتصنيف ... فبينما عرف مالكية القيروان والأندلس وإفريقية بالاعتماد على"المدونة"، و"الواضحة"، و"العتبية"، ومختصرها لابن أبي زيد القيرواني، وملخصها الموسوم بـ"التهذيب"لأبي سعيد البرادعي، عرف مالكية العراق بالاعتماد على مختصر عبد الله بن عبد الحكم.

قال ابن خلدون في مقدمته الشهيرة: "وعكف أهل القيروان على"المدونة"، وأهل الأندلس على"الواضحة"و"العتبية". ثم اختصر ابن أبي زيد"المدونة"و"المختلطة"في كتابه المسمى بـ"المختصر" ولخصه أيضا أبو سعيد البرادعي من فقهاء القيروان في كتابه المسى بـ"التهذيب"، فاعتمده المشيخة من أهل إفريقية وأخذوا به وتركوا ما سواه، وكذا اعتمد أهل الأندلس كتاب"العتبية"، وهجروا"الواضحة"وما سواها" [2] .

وعلى مختصر ابن عبد الحكم كان معول البغداديين في المدارسة والتأليف، فقد نال من الحظوة لديهم ما لم ينله غيره من مظان الفقه المالكي، وكان له عندهم القدر العالي والطيران الحثيث، فأقبلوا عليه إقبالًا

(1) ترتيب المدارك: 1/ 24.

(2) مقدمة بن خلدون، ص: 450.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت