فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 65

كالأساس، وبنوا عليها فصول المذهب بالأدلة والقياس، ولم يعرجوا على الكتاب - يعني المدونة - بتصحيح الروايات ومناقشة الألفاظ، ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل وتحرير الدلائل، على رسم الجدليين وأهل النظر من الأصوليين. وأما الاصطلاح القروي، فهو البحث عن ألفاظ الكتاب، وتحقيق ما احتوت عليه بواطن الأبواب، وتصحيح الروايات، وبيان وجوه الاحتمالات، والتنبه على ما في الكلام من اضطراب الجواب واختلاف المقالات، مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع الآثار، وترتيب أساليب الأخبار، وضبط الحروف على حسب ما وقع في السماع، وافق ذلك عوامل الإعراب أو خالفها [1] .

ويمكن تحديد أهم معالم ومميزات المنهج العراقي من خلال النص المذكور وغيره فيما يلي:

مما يميز منهج العراقيين الإكثار من تفريع المسائل الفقهية، وذلك بانتهاج أسلوب الفقه الفرضي أو التقديري الذي عرف به أهل العراق عمومًا، وخاصة الأحناف، والقائم على أساس افتراض حوادث غير واقعية أو محتملة الوقوع والبحث عن حكم شرعي لها [2] .

قال أحمد أمين في كتابه"فجر الإسلام":"وكان لمدرسة الرأي ... مميزات واضحة:"

1 -كثرة تفريع الفروع حتى الخيالي منها، وقد ألجأ إلى ذلك أولًا كثرة ما يعرف لهم من الحوادث نظرا لمدنيتهم، ثم ساقهم ذلك إلى الجري وراء الفروض، فأكثروا من"أرأيت لو كان كذا"؟ فيسألون المسألة ويبدون فيها حكمًا، ثم يفرعونها بقولهم: أرأيت لو كان كذا؛ ويقلبونها على سائر وجوهها الممكنة وغير الممكنة احيانًا [3] .

أمثلة على إكثار مالكية العراق من التفصيل والتفريع:

أ - قول ابن الجلاب - في بيان حكم من لم يتبين الماء الطاهر من النجس:"ومن كان معه إناءان، أحدهما طاهر، والآخر وقعت فيه نجاسة لم تغيره، ولم يتبين له الطاهر من النجس، وأشكل ذلك"

(1) أزهار الرياض في أخبار عياض: 3/ 22.

(2) انظر مقدمة التفريع: 1/ 136.

(3) فجر الإسلام، ص: 241، 242. وقد كان أهل الحديث يسمون هؤلاء"الأرأيتون". قال الشعبي:"والله لقد بغض هؤلاء القوم إلي المسجد حتى لهو أبغض إلي من كناسة داري؛ قيل: من هم يا أبا عمر؟ قال:"الأرايتيون". وقال:"ما كلمة أبغض إلي من أرأيت". قال أبو محمد ابن حزم الأندلسي:"وقد روينا عن الشعبي أنه قال: قد ترك هؤلاء الأرأيتيون المسجد أبغض إلي من كناسة أهلي". وروي عن الشعبي أيضا أنه قال لداود:"ألا احفظ عني ثلاثا"، وذكر منها:"إذا سئلت عن مسألة فأجبت فيها فلا تتبع مسألتك أرأيت، فإن الله قال في كتابه: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه) حتى فرغ من الآية". (انظر الموافقات: 4/ 186، 187؛ الإحكام في أصول الأحكام: 6/ 223) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت