ب: أن فقهاء المدينة واطئوا مالكا عليه بعد أن عرضه عليهم، وقد أثر عن مالك -رحمه الله تعالى- أنه قال:"عرضت كتابي هذا على سبعين فقيهًا من فقهاء المدينة، فكلهم واطأني عليه فسميته الموطأ".
ج: أن أبا جعفر المنصور طلب من مالك أن يؤلف للناس كتابًا ويوطئه لهم توطئًا، فاستجاب مالك لطلبه وألف الموطأ.
ومكث مالك في تأليف موطئه ومراجعته وتهذيبه نحو أربعين سنة [1] ، وتوخى فيه القويّ من حديث أهل الحجاز، ومزجه بفتاوى التابعين وأقوال فقهاء المدينة، وبوّبه على أبواب الفقه فأحسن ترتيبه وتبويبه، وجعل بابًا جامعًا في آخره ضمّنه من المسائل ما لا يدخل في باب خاص من أبواب الفقه المعروفة، وهي ثلاثة أنواع: ما يتعلق بالعقيدة، وما يتعلق بالأقوال، وما يتعلق بالأفعال.
وتتكون المادة العلمية للموطأ من:"الأحاديث المتصلة، والمرسلة، والمنقطعة، والموقوفة، والبلاغات -وهي التي يقول فيها مالك:"بلغني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال كذا"وأقوال الصحابة وفقهاء التابعين، وما استنبطه الإمام مالك من الفقه المستند إلى العمل أو إلى القياس أو إلى قواعد الشريعة [2] ."
هذا، وإن مناقب الموطأ ومزاياه كثيرة جدًّا، ويكفي أنه يضم بين دفتيه المادة العظمى للكتب الستة وغيرها من مصنفات السنة المعتمدة، حتى قيل:"إن الكتب الستة مخرّجة عليه [3] ."
وهذه بعض شهادات أئمة أعلام في هذا الكتاب الجليل. قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-:"ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك"، وقال أيضا:"ما على الأرض كتاب أصح -وفي رواية: أفضل- من كتاب مالك، وما كتب الناس بعد القرآن شيئا هو أنفع من موطأ مالك، وإذا جاء الأثر في كتاب مالك فهو الثريا". وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى:"ما أحسن الموطأ لمن تدين به". وقال عبد الرحمن بن مهدي رحمة الله عليه:"ما كتاب بعد كتاب الله أنفع للناس من الموطأ" [4] .
(1) انظر التمهيد: 1/ 78؛ ترتيب المدارك: 2/ 75؛ المواضع السابقة من"مقدمة شرح الزرقاني"و"الفكر السامي"و"محاضرات في تاريخ المذهب المالكي".
(2) انظر ترتيب المدارك: 2/ 73، 74؛ كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ، للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، ص: 16/ 17، 27؛ الفكر السامي: 1/ 335؛ مقدمة تحقيق كتاب"الجامع"، لابن أبي زيد القيرواني: 1/ 13؛ محاضرات في تاريخ المذهب المالكي، ص: 152، 153.
(3) انظر الفكر السامي: 1/ 336.
(4) ترتيب المدارك: 2/ 70، وانظر التمهيد: 1/ 76، 79.