ونظرا لهذه المزايا والفضائل التي حظي بها الموطأ، فقد أقبلت الأمة عليه في حياة مؤلفه الإمام مالك رحمه الله تعالى، ووصل تواترا في عهده إلى الآفاق، وأعجب به الخواص والعوام، ورحل جمع غفير منهم - وخاصة من طلبة العلم - من مختلف الأقطار الإسلامية لسماعه من الإمام مالك وروايته عنه مباشرة.
وقد تعددت روايات الموطأ بتعدد رواته عن مالك، والمشهور منها: رواية يحيى بن يحيى الليثي، ورواية محمد بن الحسن الشيباني. فالأولى هي الأكثر شهرة وتداولًا، وهي التي اعتمدها الناس في المشرق والمغرب على حد سواء؛ لأنها آخر ما استقر عليه رأي مالك، ولا يوجد بها ما روي عن مالك من الأخبار، وإليها ينصرف الذهن عند الإطلاق. أما الثانية، فقد تضمنت أحاديث يسيرة زيادة على سائر الموطّآت، كما احتوت على اجتهادات كثير من علماء العراق والحجاز، إضافة إلى اجتهادات محمد بن الحسن التي خالف فيها مالكًا وأبا حنيفة. وقيل: إن بها آثارًا ضعيفة من غير طريق مالك، وقد اهتمَّ بها الأحناف لاشتمالها على ذكر الأحاديث التي عملوا بها ... [1] .
واختلف الرأي فيمن كان أثبت الناس في رواية الموطأ، فقال يحيى بن معين:"أثبت الناس في الموطأ: عبد الله بن مسلمة القعنبي، وعبد الله بن يوسف التنيسي"، وتبعه في ذلك ابن المديني والنسائي. وقال أبو حاتم:"أثبت أصحاب مالك وأوثقهم معن بن عيسى". وقال النسائي:"لم يرو أحد الموطأ عن مالك أثبت من ابن القاسم"، وبه صرح ابن فرحون في"الديباج". وذكر محمد بن عبد الحكم أن أثبت الناس في الرواية عن مالك ابن وهب [2] .
وأفاد القاضي عياض -رحمه الله تعالى- أنه لم يعتن بكتاب من كتب الفقه والحديث بمثل ما اعتني بالموطأ، فإن الموافق والمخالف أجمع على تفضيله، وروايته، وتقديم حديثه وتصحيحه. وعد نحو تسعين رجلًا ممن تناولوه بالشرح وغيره من تعلقاته، ونظم فيه قصيدة رائعة، مما جاء فيها:
(1) انظر ترتيب المدارك: 3/ 380، 381؛ التعليق الممجد على موطأ محمد، لمحمد عبد الحي اللكنوي، ص: 35، 36؛ الرسالة المستطرفة لبيان كتب السنة المشرفة، ص: 13، 14؛ كشف المغطى، ص: 35، 39؛ أقرب المسالك، ص: 34، 35.
(2) انظر الديباج المذهب: 1/ 466؛ مقدمة شرح الزرقاني على الموطأ: 1/ 6، 7؛ محاضرات في تاريخ المذهب المالكي، ص: 158.