وهي مدة كافية لجمعه ما جمع، وروايته ما روى من أحاديث، علمًا أنه قد لازم فيها النبي صلى الله عليه وسلم ملازمة تامة، حضرًا وسفرًا، يدور معه حيث دار، تفرغ فيها للعلم والتحصيل، لا يشغله عنهما شاغل من تجارة، أو زراعة، أو أعباء عائلية أو غير ذلك، وهي ملازمة لم تتيسر لكثير ممن كانت صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أطول من صحبته له، لانشغالهم بأمور الحياة الضرورية، روي عن البراء بن عازب رضي الله عنه، أنه قال: ليس كلما سمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ فيحدث الشاهد الغائب. (2)
وروي أنه جاء رجل إلى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، فقال: يا أبا محمد، والله ما ندري هذا اليماني أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم أم أنتم؟ تقوّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل، يعني أبا هريرة، فقال: طلحة: والله ما يشك أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا قومًا أغنياء، لنا بيوت وأهلون، كنا نأتي نبي الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار، ثم نرجع،
(1) تقدم في إسلامه وصحبته.
(2) الخطيب: الكفاية 548، والسيوطي: مفتاح الجنة 22.
وكان أبو هريرة رضي الله عنه مسكينًا لا مال له، ولا أهل، ولا ولد، إنما كانت يده مع يد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يدور معه حيث دار، ولا نشك أنه قد عمل ما لم نعمل، وسمع ما لم نسمع، ولم يتهمه أحد منا، أنه تقوّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل. (1)