3 -لو كان همه إشباع بطنه، لترك ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم، وبحث عمن يشبعها له من موسري الصحابة رضي الله عنه أو غيرهم من أهل المدينة، بعمل أو غيره إذا لم يتيسر له إشباعها في أكثر أيام ملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم، إذا كان لا يحصل في بعض الأيام على أكثر من تمرة أو تمرتين، أو شربة لبن، أو ما قارب ذلك، فقد روي عنه أنه قال: خرجت يومًا من بيتي إلى المسجد فوجدت نفرًا، فقالوا: ما أخرجك؟ قلت: الجوع فقالوا: ونحن والله ما أخرجنا إلا الجوع، فقمنا فدخلنا على رسول الله، فقال:"ما جاء بكم هذه الساعة"؟ فأخبرناه فدعا بطبق فيه تمر، فأعطى كل رجل منا تمرتين، فقال:"كلوا هاتين التمرتين واشربوا عليهما من الماء فإنهما ستجزيانكم يومكم هذا". (2)
كما روي عنه أنه قد أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم قدح لبن، فأمره أن يدعو أهل الصفة، وكان عريفهم، فدعاهم فلما جلسوا قال:"خذا يا أبا هريرة فأعطهم"، فجعلت أعطي الرجل فيشرب حتى يروى، حتى أتيت على جميعهم، وناولته رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع رأسه إلى مبتسمًا، وقال:"بقيت أنا وأنت"قال:"فاشرب"، فشربت، قال:"اشرب"،
(1) أبو نعيم: الحلية 1/ 379، وابن كثير: البداية والنهاية 8/ 107.
(2) الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/ 592.
فشربت، فما زال يقول"اشرب"فأشرب، حتى قلت: والذي بعثك بالحق ما أجد لها مساغًا، فأخذ فشرب الفضلة". (1) "
وهذه الرواية مع ما دلت عليه من أمور عظيمة، كزيادة اللبن ببركة النبي صلى الله عليه وسلم، وعنايته بفقراء المسلمينن وتقديمه لهم بالشرب على نفسه، وفرحه بشبعهم، وضربه المثل الأروع في ذلك، فإنها دلت أيضًا على مدى ما كانوا يعانون من جوع وحاجة، ومنهم: