فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 49

ولما كان كل واحد من الزوجين طرفا في العقد، ناط الشارع إبرامه بهما و جعله متوقفا على إرادتهما و رضاهما، فلم يجعل للأب و لا لغيره على المرأة ولاية إجبار و لا إكراه في تزويجها ممن لا تريد، بل جعل لها الحق التام في قبول أو رفض من يتقدم لخطبتها فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما أن جارية"فتاة صغيرة السن"أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوَّجها و هي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم [1] ، وجاءت النصوص النبوية الأخرى تؤكد للمرأة ذلك الحق فقال عليه الصلاة و السلام:"لا تنكح البكر حتى تستأذن و لا الأيم حتى تستأمر" [2] وقال:"البكر يستأذنها أبوها" [3] .

وبهذا جعل الإسلام عقد الزواج قائما على المودة و الرحمة، و الألفة و المحبة، قال تعالى:"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [4] ، و من المحال ـ عادة ـ تحقيق تلك المقاصد الكريمة بزواج قائم على الإكراه و الإجبار."

لكن لما كانت المرأة ـ رغم إرادتها المستقلة التي جعلها الإسلام لها- عرضة لأطماع الطامعين، واستغلال المستغلين فقد شرع من الأحكام ما يحفظ حقوقها و يدفع استغلال المستغلين عنها فجعل لموافقة وليها على عقد زواجها اعتبارا هاما يتناسب مع أهمية هذا العقد لما يعكسه من أثر طيب يخيم على الأسرة الجديدة ويبقى على وشائج القربى بين الفتاة و أوليائها، بخلاف ما لو تم بدون رضاهم فإنه يترتب عليه الشقاق و الخلاف فينجم عنه عكس المقصود منه. ومع أنه لا خلاف بين أهل العلم في أن رضا ولي المرأة هو الأولى و الأفضل، غير أنهم اختلفوا في جعله شرطا من شروط صحة العقد:

فذهب جمهور الفقهاء إلى أن رضا ولي المرأة شرط من شروط صحة العقد لا يصح بدونه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" [5] وقوله أيضا أيضا:"لا نكاح إلا بولي" [6] .

وذهب الحنفية إلى عدم اشتراط ذلك مستدلين بأدلة كثيرة، منها ما رواه مسلم والأربعة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال:"الأيم أحق بنفسها، والبكر تستأذن في نفسها و إذنها"

(1) ـ حديث صحيح: أخرجه أحمد (رقم: 2469) و أبو داود (رقم: 2096) و النسائي في"السنن الكبرى (رقم: 5387) و ابن ماجة (رقم: 1875) من حديث عبد الله بن عباس و صححه ابن القطان و ابن حزم وقواه الخطيب البغدادي و ابن القيم و ابن حجر."

(2) ـ متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: 3843، 6567، 6569) وسملم (رقم: 1419) من حديث أبي هريرة. و الأيم: الثيب، وهي التي سبق زواجها.

(3) ـ أخرجه مسلم في"صحيحه" (رقم:1421/ 68) ، البيهقي في"السنن الكبرى" (7/ 115) من حديث ابن عباس، و هذا في أحد ألفاظ حديثه.

(4) ـ سورة الروم آية 21.

(5) ـ أخرجه أحمد (6/ 47، 66، 165) و أبو داود (رقم: 2083) و الترمذي (رقم: 1102) و ابن ماجة (رقم: 1879) من حديث عائشة و حسنه الترمذي و صححه ابن حبان (رقم: 4074) و الحاكم (2/ 168)

(6) ـ أخرجه أحمد (19518، 19710، 19746) و أبو داود (رقم: 2085) و الترمذي (رقم:1101) و ابن ماجة (رقم: 1881) من حديث أبي موسى الأشعري. و صححه علي بن المديني شيخ البخاري، و قواه البخاري و الترمذي و الحاكم و البيهقي و غيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت